هذا عنوان مؤتمر علمي دولي، نظمه مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، بالتعاون مع المعهد السويدي بالإسكندرية وشبكة الإسلام الليبرالي بأندونيسيا، وبالتنسيق مع الشبكة الاورومتوسطية لحقوق الإنسان، والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان.
وبدعم من المفوضية الأوروبية. وذلك في مدينة الإسكندرية في 18ـ 20 ابريل 2006 بهدف تسليط الأضواء على مجالات الإفادة من خبرات العالم الإسلامي غير العربي وبخاصة في موضوع تجديد الخطاب الديني وحقوق الإنسان.
وقد تداعى لهذا المؤتمر صفوة من الباحثين والمفكرين والناشطين ـ عربا وغير عرب ـ وبخاصة من العالم غير العربي، لأول مرة يدعى إليه بعض كبار المنظرين للأحزاب السياسية الإسلامية العربية مثل «الغنوشي» و«البيانوني» و«أبو الفتوح» .
ومما يؤسف له عدم تمكن حضور بعضهم بسبب التأشيرة أو وجود حكم قضائي، وان كانوا أرسلوا أوراقهم التي ألقيت ونوقشت في المؤتمر.
يأتي هذا المؤتمر النوعي، إذ هو أول مؤتمر يعقد في المنطقة العربية لهذا الغرض، وذلك بعد المؤتمر الذي عقده المركز في باريس في أغسطس 2003 حول «تجديد الخطاب الديني» والذي أصدر أهم وثيقة في تجديد الخطاب الديني وسميت «إعلان باريس» ومن المهم إعادة التذكير هنا ببعض مضامينه الرئيسية لعلاقتها بمحاور المؤتمر.
لقد أكد «إعلان باريس» انه لا خطاب دينيا جديدا بدون إصلاح سياسي شامل، وان تجديد الخطاب الإسلامي ضرورة عربية ـ إسلامية لا صلة لها بالضغوط الأجنبية بل كان مسعى أساسياً في مسيرة الثقافة العربية الإسلامية منذ فجر الإسلام .
وان هذا التجديد ضرورة ملحة باعتبارها مفصلاً جوهرياً في عبور الفجوة الواسطة بيننا والعالم المتقدم، وانه لابد من التمييز بين الإسلام كدين وتاريخ المسلمين الحافل بما يوجب النقد والتمحيص، وهذه نقطة مهمة في مواجهة النظرة التقديسية للتاريخ الإسلامي.
كما أكد (إعلان باريس) على نقطة أراها شديدة الأهمية وهي ان «التجديد ليس مهمة رجال الدين المستنيرين وحدهم، بل هي كذلك من مهام المفكرين والمثقفين» انطلاقاً من ان تجديد الخطاب الديني لن يؤتى ثماره بدون إصلاح ثقافي مجتمعي ينطلق من الإيمان بنسبية المعارف وبحقوق البشر في الحوار والمساءلة.
وأيضا هذه من النقاط المهمة المتصلة بمؤتمرنا والتي أكدها المجتمعون «ان أبرز المعوقات أمام تجديد الخطاب الديني، التوظيف السياسي للدين بواسطة الحكومات العربية والجماعات المتطرفة وبعض الأحزاب السياسية لخدمة إغراضها الخاصة».
وعودة إلى محاور المؤتمر الذي افتتحه بهي الدين حسن رئيس مركز القاهرة بكلمة قال فيها: ان هذا المؤتمر ينعقد في لحظة عصيبة في المدينة التي شهدت صداماً طائفياً بدأ بهجوم على 3 كنائس وتواصل بمظاهرات ترفع المصحف في مواجهة الصليب وأسفرت عن قتلى وجرحى.
وأشار الى ان هذا الحدث يتقاطع مع أحد موضوعات المؤتمر وهو موقع الآخر الديني في الخطاب الديني، خاصة وان عدداً من المشاركين جاءوا من مجتمعات تعيش تعدديات دينية تضم البوذي واليهودي وغيرهما.
وأن المسلمين فيها هم الأقلية خلافاً للوضع العربي، وقال: كيف يمكن منع الانحدار الذي بدأ منذ عدة عقود نحو مستنقع الطائفية؟ وأضاف ان ذلك يتصل بسؤال آخر:
لماذا تفاوت بشكل كبير رد فعل المسلمين خارج العالم العربي عن العرب إزاء الرسوم الكاريكاتيرية؟ وهل هذا يرجع لطبيعة الخطاب الديني أم لاختلاف موقع حكوماتهم؟
أما مدير المعهد السويدي رد. إيان فقد قال في كلمته في المؤتمر: «إن هذه التعددية الفكرية تفيدنا جميعاً للوصول الى حلول عملية للاشكاليات التي تتعرض لها محاور المؤتمر واصفاً تلك المحاور بأنها مبادرة أكثر تعمقاً وجرأة من المؤتمرات السابقة التي نظمها المعهد.
لقد كانت معظم الأوراق المقدمة على المستوى المأمول منها وفيها جرأة في الطرح وإضافة ثرية، وأكد أكثرية الحضور على أهمية فصل «الدين» بماله من قدسية وتعاليم سامية عن «الدولة» بوصفها أداة قمع وتسلط وإكراه.
وتدخل في الحريات والمعتقدات، وطالبوا بـ «حياد الدولة» في المعترك السياسي والديني والثقافي والأيديولوجي والمذهبي لكافة الأحزاب والجماعات السياسية المتصارعة.
وان بينوا بوضوح انه لا يمكن فصل الدين عن السياسة لأن السياسة وفي نهاية المطاف ما هي إلا انعكاسات وتعبيرات عن توجهات وأفكار ورؤى لبشر تحكمهم معتقدات معينة، لا يستطيعون تجاهلها أو المساس بها.
لقد كانت هناك طروحات مهمة لمفكرين متميزين، منها، ورقة د. صلاح الدين الجورشي ومداخلاته العميقة، وورقة د. عبدالله النعيم عن العلاقة بين الإسلام والدولة والسياسة، وورقة د. محمد نور الدين عن العلمانية التركية وهل هي نموذج للاقتداء؟
وتعقيب د. علي مبروك، وهو للأسف غير مطبوع، وهناك أوراق مهمة أخرى منها للدكتور رضوان زيادة، ود. غانم حوار، ود. سعد الدين العثماني ود. رفيق عبدالسلام وزينة أنور من ماليزيا وغيرها.
ولفت نظري بحث د. نصر حامد أبو زيد «الذي لم يتمكن من الحضور»، أثبت فيه قدرة المثقف المستمرة على تطوير أفكاره وتجاوز خطابه.
وأما عن ورقتي فقد ركزت على مجال الإفادة من تجارب المسلمين غير العرب في مجالين مهمين هما: «حقوق المرأة ووضعيتها المتقدمة» هناك..
فقد وصلت المرأة في العديد من المجتمعات الآسيوية الى منصب رئاسة الوزارة ولا نجد نظيره لها عندنا، وكذلك نسبة تمثيلها المرتفعة في البرلمانات هناك، وحصولها على حقوق الجنسية، وتمتعها بمركز أفضل في الأحوال الشخصية.
وأما المجال الآخر فهو نجاح تلك الشعوب في التخلص من مخاوف «الغزو الفكري» وهواجس «المؤامرة العالمية» على الإسلام وهما موضوعان أثيرا في الخطاب الديني عندما يصدح بهما ليل نهار في أسماعنا عبر المنابر والفضائيات.
ولذلك نجحوا فيما لم ننجح فيه وهو إقامة علاقة صحية ناضجة مع الآخر الغربي وأيضاً مع الآخر الداخلي المختلف ديناً أو مذهباً أو طائفة، فكيف السبيل للإفادة منهم؟
كانت إجابة الحضور حاسمة في ان يتخلى العرب عن مركزيتهم الشديدة وعن لعب دور الاستاذية المتعالية تجاه الشعوب الإسلامية ويتواضعوا «قليلا» لعلهم يفلحون!!
كاتب قطري
