بقدر ما يثير الإعلام من جدل حول الكثير من القضايا يبقى هو نفسه موضع جدل وخلاف حول مدى مصداقيته المتهمة بالضعف من قبل شريحة كبيرة من الجمهور الذي يتهمه بالتضليل حينا، وبالبعد عن القضايا الأساسية التي تهم الشرائح الواسعة من الناس حينا.

وبالغياب عن الأحداث الساخنة وافتقاد تغطياته إلى الشمولية والعمق أحيانا، وبتهم أخرى كثيرة تبدأ من الانتقائية وربما وصلت إلى الاتهام بالعمالة ـ التي لا ينزهه البعض عنها ـ لبعض الجهات الداخلية والخارجية على حد سواء، مروراً بالإثارة والتهييج وتغذية النعرات الطائفية و الدينية.

بالإضافة إلى إثارة الغرائز ودغدغة الحواس، وكل التهم التي يمكن أن تلصق بأي وسيلة تأثير حين يكون إصدار الأحكام متاحاً للجميع دون تفرقة، مادامت هذه الوسائل موجهة للجماهير على اختلاف مستوياتها وأعمارها وثقافاتها وانتماءاتها العرقية والدينية وولاءاتها العقائدية والسياسية.

فما هو موقع الإعلام العربي من كل هذه الاتهامات، وعلى أي أرضية يقف في عصر الفضاء المفتوح والشبكات العنكبوتية التي لا مجال لفرض رقابة كاملة عليها، وفي ظل سعي الدول الكبرى إلى فرض الديمقراطية ونشر الحرية التي تتخذها ذريعة لغزو الدول واحتلالها وتغيير أنظمتها؟

ربما كان هذا هو السؤال الأكثر أهمية الذي سيجد المشاركون في الدورة الرابعة لمنتدى الإعلام العربي أنفسهم يبحثون عن إجابة له عندما ينعقد المنتدى بعد غد الأربعاء في منتجع مدينة جميرا بدبي، حيث ينظم نادي دبي للصحافة جلسات عمل متخصصة وأخرى عامة لمناقشة عدد من القضايا الحيوية حول أوضاع الإعلام في عدد من الدول العربية، وحال الإعلاميين العرب.

بالإضافة إلى صدقية الإعلام العربي، وانقسامه بين تياري الحداثة والمحافظة، لتسليط الضوء على نقاط القوة والضعف فيه، بهدف وضع الحلول المناسبة لتدعيم قوة هذا الإعلام وتلافي نقاط ضعفه.

هذه العناوين الكثيرة والقضايا المهمة التي استقطبت اللجنةُ المنظمة للمنتدى شخصياتٍ إعلاميةً عربيةً بارزةً لمناقشتها لا شك أنها جديرة بالاهتمام والبحث.

وإن كان السؤال يدور حول إمكانية أن يتم ذلك خلال يوم واحد هو مدة المؤتمر الذي سيناقش أحوال الإعلام في كل من لبنان ومصر والسعودية والمغرب العربي والعراق وفلسطين، بما لكل دولة من هذه الدول من خصائص سياسية واجتماعية، وظروف تختلف من بلد إلى آخر.

ثم يتم الانتقال إلى قضايا عامة تدور حول صدقية الإعلام العربي، و الإعلام العربي بين تيارين.. الحداثيون والمحافظون، والتدريب الإعلامي في الوطن العربي.

وظاهرة البلوغرز «المدونون» في الوطن العربي، وتلفزيون الواقع، وتجارب ناجحة للمرأة العربية في الإعلام، وصحافة التابلويد في الوطن العربي، و الإعلام الحكومي.

كل هذه القضايا التي تحتاج كل واحدة منها إلى مؤتمر خاص بها سوف تكون مطروحة للنقاش خلال مؤتمر اليوم الواحد الذي سيشكل تحديا للمشاركين فيه أكثر منه للمنظمين، إذ تعود العرب، والإعلاميون منهم خاصة، على المطولات والنقاشات التي تتصادم وتحتدم دون الخروج بنقطة التقاء أو الوصول إلى اتفاق غالبا.

يبقى الإعلام العربي موضوعا مثيرا للجدل والاختلاف حول مصداقيته، ومدى قدرته على نقل صورة حقيقية لما يحدث على الأرض في عالمنا العربي الذي تعقدت مشاكله وازدادت مع نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة.

بل وامتدت إلى كل رقعة منه، فبعد أن كانت لدينا قضية مركزية واحدة هي قضية فلسطين أصبحت لدينا أكثر من قضية، فما يحدث في العراق بعد احتلاله جعل الوضع فيه أكثر تعقيدا من حقبة صدام وحزب البعث، ولبنان بعد اغتيال الحريري أصبح أكثر قابلية للاشتعال سياسيا من فترة ما قبل 14 فبراير 2005.

والوضع في منطقة الخليج بعد دخول إيران المرحلة النووية أصبح أكثر تأزما ومدعاة للقلق منه قبل إيران النووية التي ترفع شعار التحدي وتلقي بالقفاز في وجه كل الدول الكبرى والمنظمات الدولية، غير عابئة بالتهديد بفرض العقوبات.

بل وحتى الضربات العسكرية التي يدور الحديث عنها لكبح طموحها النووي وإثنائها عن قرارها الحصول على هذه التقنية مهما كان الثمن. أما القضية المركزية التي كانت تتضاءل كل القضايا إزاءها فلم تعد تتصدر نشرات الأخبار دائما كما كانت قبل عقود.

ودخلت منذ أوسلو أنفاقا لا يعلم إلا الله والراسخون في العلم ببواطن الأمور إلى أين ستؤدي ، خاصة بعد أن وصلت حماس عبر صناديق الاقتراع إلى السلطة، لتجد نفسها أمام تحديات جديدة وخيارات صعبة، لن تعجب كلا من الولايات المتحدة وإسرائيل مهما قدمت من تنازلات هي غير مستعدة.

- فيما يبدو حتى الآن على الأقل - لتقديمها، فإلى متى ستستطيع الصمود أمام سياسة تجفيف مصادر التمويل عنها، وما الذي سيحدث لو فشلت التجربة ونفد صبر حماس وكفرت بالسياسة التي أوصلتها إلى كرسي الحكم وعادت إلى البندقية خيارا وحيدا لا بديل له؟

ترى إلى أي مدى يمكن وضع مصداقية الإعلام العربي على المحك في ظل وضع معقد وشائك كهذا، وكيف يمكن فرز الحقيقة عن التضليل في ليل هذه الأمة الحالك السواد.

وهل ستتفرغ وسائل إعلامنا العربية لمهمتها الأساسية أم تجد نفسها مشغولة بالدفاع عن نزاهتها في ظل اتهامات العمالة والتبعية والخيانة التي تصدر من هنا وهناك، موجهة مدافعها للجميع دون استثناء حينا، ومحددة لها أهدافا بعينها حينا آخر؟

هذا إذا تحدثنا عن الإعلام الجاد المهموم بقضايا الأمة، الباحث عن الحقيقة، حقيقةً أو إدعاءً. وفي المقابل هناك إعلام عربي من نوع آخر، نأى بنفسه عن هموم الأمة ومشاكلها وقضاياها تماما.

واختط لنفسه طريقا مختلفا لا علاقة له بما يجري على الأرض العربية، كأنه يبث من كوكب آخر غير كوكبنا، كوكب لا هم لأولئك الذين يعيشون عليه سوى الغناء والرقص ومسابقات النجوم وملكات الجمال وعارضات الأزياء.

إعلام خلق لنفسه «يوتوبيا» خاصة لم تخطر على بال أفلاطون ولا الفارابي ولا توماس مور ولا فرانسيس بيكون، ولا كل الفلاسفة الذين شغلتهم فكرة «المدينة الفاضلة» التي تحقق السعادة للناس وتمحو كل الشرور.

فإلى أي مدى يمارس هذا الإعلام الترفيهي أو «التتفيهي» تغييب العقول، وإلى أي مدى يكرس فكرة اللامبالاة بين الشعوب العربية، ملقيا بكل الهموم والقضايا المصيرية خلف ظهره؟

هذه مجموعة من الأسئلة، نتمنى أن تجد لها إجابة من خلال منتدى الإعلام العربي الذي يبدأ أعماله وينهيها يوم بعد غد الأربعاء في دبي، مراهنين هذه المرة على جدوى العمل المكثف البعيد عن الحشو والتكرار و الاجترار والإطالة. فهل نكسب رهاننا هذه المرة بعد كل الرهانات التي خسرناها عبر تاريخ طويل يبعث على الأسى؟

نتمنى ذلك.

كاتب إماراتي

aliobaid2000@hotmail.com