أخيراً وبعد مخاض طويل وعسير، ساهم في مفاقمة النزف السياسي والأمني بدرجة خطيرة، ظهر الدخان الأبيض في سماء بغداد. التعقيدات وحروب الشروط والشروط المضادة والفيتوات، التي استبدت بالعملية السياسية طيلة أربعة أشهر، انقشعت غيومها السوداء في جلسة واحدة وفي يوم واحد.

عقدة رئيس الحكومة جرى حلها، وهي كانت الأصعب، وصار للبلد رئيس جمهورية لمدة أربع سنوات وكذلك الأمر بالنسبة لرئاسة البرلمان وبذلك انتهت إشكالية الأسماء التي كانت تهدد بمضاعفات تطيح بكل احتمالات التوافق. وهذا تطور يبعث على الارتياح في ضوء ظروف العراق، هو انجاز مهم.

في الأقل، لأنه يعطي الساحة العراقية فسحة للأمل ومساحة للتنفس، لكن إذا كان ما انقضى هو مهم فإن المتبقي هو الأهم. الفترة المقبلة هي المحك وساحة الامتحان الحقيقي. أجندتها مليئة بالبنود والمهمات الشائكة ومن العيار الثقيل.

التوافق الذي حصل حول الرئاسات الثلاث؛ وبالتحديد حول رئاسة الوزارة، لم يكن أمراً سهلاً. صحيح انه استلزم مدة طويلة لتحقيقه. وربما ساهمت في حصوله ضغوط مختلفة، بل انه قد لا يكون خالياً من الهشاشة، مع ذلك فإن بلوغه الهدف يعد محطة فارقة. فلأول مرة ومنذ أمد بعيد تقوم تركيبة حكم في العراق عن طريق التداول وفي إطاره.

وبقطع النظر عن الشوائب التي رافقت العملية، فالأهمية الاستثنائية هنا هي أن هذه التركيبة بإمكانها، لو بقيت متماسكة، تشكل صمام أمان ضد نشوب حرب أهلية؛ بدت أكثر من مرة في الآونة الأخيرة وكأنها باتت واقعاً لا فرار منه. وبالاستطراد تكون صمام أمان ضد وقوع البلد تحت سكين التقسيم؛ الذي لاح كابوسه في الأفق؛ أكثر من مرة.

الحلقة الأولى القريبة والأسهل، تكمن الآن في القدرة على تشكيل حكومة اتحاد وطني وضمن مهلة الشهر، الممنوحة في الدستور. ذلك أن الجرجرة من شأنها توليد الإحباط ثانية.

وبالتالي رفد الانفلات الأمني والتأزيم السياسي بالمزيد من عوامل التصعيد. ثم تأتي الحلقة الثانية في برنامج الحكومة، كمدخل للامتحان التاريخي المتمثل في النهوض بمهمات ثلاث غير اعتيادية.

- الخلاص من الاحتلال.

- تحصين وتثبيت وحدة العراق.

- ثم بناء البلد من الألف إلى الياء

ولا يخفى أن الوحدة الوطنية هي الرافعة الأساسية لانجاز هذه العملية التاريخية. تصليبها وحمايتها هي المحك والشرط الجوهري لإطلاق المسيرة وتوطيدها، بغية ضمان بلوغها شاطئ الأمان طبعاً الساحة العراقية، طافحة بالرواسب والبقايا والعقبات التي تعترض سبيل هذه الوحدة ويزيد من مشقة العمل على تجاوزها.

أن العراق لايزال يرزح تحت نير الاحتلال وليس هو بقادر على التخلص القريب أو السريع منه. ومن هنا تبرز الأهمية القصوى للعمل على توفير شروط هذا التخلص. ولو اقتضى الأمر بعض الوقت لكن من دون أن تضيع البوصلة العراقية عن هذا الهدف الأساسي.

في توافق أمس بدا العراقيون وكأنهم تعاهدوا على إطلاق عملية الإنقاذ ،الأجندة أمامهم مثقلة بالبنود، ولكنها من العيار الثقيل. ولا شك أن الامتحان عسير وطريقه وعرة. لكن حسبنا أنهم يدركون ذلك جيداً وأنهم قد قبلوا التحدي.

القضية هي قضيتهم أولاً فإن المصير العراقي لا يخصهم وحدهم. فعلى العرب أن يشمروا عن سواعدهم لدعم هذه المسيرة التي ينعم الكل بنجاحها ويتأذى الكل بفشلها.