ما كان يقال في الخفاء منذ أسابيع قيل علناً لأول مرة.. خالد مشعل شن هجوماً لاذعاً على الرئيس الفلسطيني محمود عباس واتهمه بإقامة حكومة موازية او بديلة، فقد كان قرار الرئيس بإلغاء قرار لوزير الداخلية بإنشاء جهاز أمني من عناصر أجنحة عسكرية مسلحة مختلفة في غزة لدعم جهاز الشرطة هو القشة التي قصمت ظهر البعير .
وفتحت الصراع علناً بين حركة حماس والرئاسة الفلسطينية التي وجدت الدعم من المجلس الثوري لحركة فتح وكتائب شهداء الاقصى في الضفة. حماس كحركة تعيش عصرها الذهبي وهي لا تعاني من مشكلات داخلية البتة، فلديها المال وتدفع مخصصات عناصرها وأسراها ومسلحيها ونشطائها بانتظام، بينما حركة فتح لا تملك أموالاً.
ولا تملك عنواناً قيادياً واضحاً، وهي ما زالت تعيش صدمة الهزيمة ولم تحاول إعادة ترتيب بيتها الداخلي، وكانت انتخابات جامعة بيرزيت التي فازت فيها فتح في الدورة السابقة مقياسا اوضح ان حماس تكسب الآن رغم الأزمة التي تعانيها حكومتها المُشكلة حديثاً. ثمة تيار في فتح عمل.
ويعمل على إسقاط الحكومة الحمسوية ويراهن هذا التيار على أن الحصار المالي والأزمة الاقتصادية ستجبر حكومة حماس على الانهيار وهو رهان غير وطني بالمعنى الحرفي للكلمة لأن اسقاط حكومة منتخبة تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية يخدم المصلحة الإسرائيلية في المقام الأول ولا يقدم للشعب الفلسطيني خدمات سياسية وإن كان سيوفر المدد المالي وإنهاء الحصار.
لكن لن يفتح الأفق السياسي بل يدفع الفلسطينيين إلى الفخ الإسرائيلي المتمثل بخطة الفصل أحادي الجانب، أي انه لن يوفر المناخ لاستئناف المفاوضات حيث أن اسرائيل اسقطت المفاوضات من جدول اعمالها، سواء كانت فتح في الحكومة أم حماس.
الرئيس محمود عباس اضطر إلى اتخاذ سلسلة خطوات اعتبرتها حماس سلباً لصلاحيات حكومتها ومنها وضع أجهزة الأمن الرسمية كالإذاعة والتلفزيون وهيئة الاستعلامات ووكالة وفا تحت إمرته وكذلك تولى مستشارون مسؤوليات اقتصادية وسياسية في الخارج لتفادي الحصار المفروض على حكومة حماس ولتسيير الأمور العامة بقدر أقل من التعقيدات.
وكانت حماس غضبت لوضعه المعابر تحت سلطته وهو هنا أكد أنه مستعد لإعادتها الى سيطرة الحكومة إذا ضمنت بقاء المراقبين الدوليين على معبر رفح لأن انسحابهم يعني اغلاق المعبر أيضا، واحكام الحصار.
وضع ابومازن في مواجهة حكومة حماس اشبه بوضع ياسر عرفات إبان حكومة ابومازن عندما انتزع الأخير صلاحيات مالية وأمنية من الرئاسة بعد تعديل القانون الأساسي في المجلس التشريعي ومقاطعة الولايات المتحدة واسرائيل .
وبعض الدول الغربية لياسر عرفات لكن في الوضع الحالي نجد أن مقاطعي حكومة حماس هم أنفسهم الذين قاطعوا ياسر عرفات ودعموا حكومة ابومازن آنذاك.
واضطر ابومازن كرئيس الى استعادة الكثير من الصلاحيات التي انتزعها من الرئاسة لتسيير الشؤون الفلسطينية وعمل على فك عزلة الحكومة وحشد الدعم المالي.
لكن هذا لا ينفي أن الحكومة وصلاحياتها تعرضت للقضم والعراقيل، حيث واجه وزراء حماس عقبات داخل وزاراتهم وتحملت الحكومة عبء توفير الرواتب.. وان حدث ووفرت جزءاً منها فإنها لن تستطيع صرفها بسبب مقاطعة البنوك لها.
ولعل هذا المأزق هو الذي جعل خالد مشعل يفقد وقاره المعهود وهدوءه ويشن هجوماً لاذعاً على الرئيس وعلى بعض رموز فتح التي اتهمها بالتآمر ومحاولة الانقلاب على الحكومة، فبعد قرار وزير الداخلية سعيد صيام بتشكيل قوة مسلحة من أجنحة الفصائل بما فيها التابعة لحركة فتح لدعم الشرطة في وضع حد للفلتان الأمني في غزة.
وجد البعض في القرار محاولة لتشكيل جهاز أمني جديد مواز لقوات الشرطة التي ما زالت حماس تشك في ولائها لوزير الداخلية وتبعيتها للرئيس وولائها لحركة فتح.
فألغى ابو مازن القرار لكن الحكومة رفضت الالغاء وتمسكت به. وهذا آثار حفيظة قادة حماس الذين اعتبروا ذلك انتقاصاً اضافياً من صلاحيات الحكومة. فالأمن الفلسطيني بمجمله مازال موالياً لحركة فتح..
واضطر قادة ووزراء حماس الى استخدام عناصر من حركتهم كحراس أمن ومرافقين لهم في الوزارات يتقاضون رواتب من الحركة وليس من السلطة بمن فيهم حراس رئيس الوزراء اسماعيل هنية وهم من عناصر كتائب القسام..
وقد اعترض موكبه قبل فترة حاجز لقوات الأمن الوقائي ومنع الضابط مرور الموكب بحجة أن الحراس ليسوا رسميين ويتبعون لفصيل فاضطر هنية الى سلوك طريق آخر.. لكن الضابط تعرض لسبع رصاصات قبل أيام اعتبرها الأمن الوقائي انتقاماً من كتائب القسام.
الوضع الداخلي الفلسطيني دخل مرحلة حرجة تنذر بالفتنة والاقتتال ما لم يتم اجراء مصارحة داخلية خاصة بين الرئيس ورئيس حكومته. فقد حاول نائب رئيس الوزراء ووزير التربية ناصر الدين الشاعر التخفيف من حدة آثار تصريحات مشعل بالقول ان الأخير يمثل حركة حماس ولا يمثل الحكومة.
وهو على صواب في ذلك لأن حركة حماس منذ بداية تشكيل حكومتها أعفت مسؤوليها في الحكومة من مسؤولياتهم في الحركة مستفيدة من أخطاء حركة فتح التي خلطت بين مسؤوليات مسؤوليها في السلطة والحركة ما أدى الى اضعاف الحركة وافساد قادتها.
ورغم أن عزيز الدويك رئيس المجلس التشريعي أطلق دعوة للحوار الوطني قبل احتدام الأزمة الكلامية مؤيداً دعوة مماثلة اطلقها مروان البرغوثي من سجنه إلا أن العمل على احياء الحوار الوطني الجاد تعرض للانتكاسة بعد التراشق الاعلامي الأخير.
ولكن هذا يجب أن يدفع نحو الاسراع في الحوار لنزع فتيل الأزمة الداخلية. إذ أن البعض يرى أن تضخيم الأزمة الداخلية سيغطي على أزمة الحكومة والحصار الذي تتعرض له لكن مع الأسف فإن الأزمة تستفحل وتزيد الاضطراب في الشارع الفلسطيني.
وترفع وتيرة التوتر بحيث أن احتكاكاً واحداً يكفي لاشعال نار اشتباكات دموية لا يستفيد منها لا فتح ولا حماس ولا عباس. فهل يأتي الجميع الى كلمة سواء؟
رئيس تحرير «الحياة الجديدة» فلسطين
