الاحتقان كلمة جاءت على لسان كثيرين ممن علقوا على أحداث الفتنة الطائفية التي شهدتها مدينة الإسكندرية الأسبوع الماضي، وكانت سببا في فتح ملف شائك على مصراعيه أمام القاصي والداني للخوض في مياهه المضطربة . فقد تدفق شلال هادر من النقد الذي وصل إلى حد التجريح بين عنصري الأمة كما يفضل المصريون المحبون لوطنهم أن يطلقوا على المسلمين والأقباط.

لا أحد ينكر وجود مشكلات وشعور بالظلم وسط الإخوة الأقباط وهو الشعور ذاته، الذي ينتاب ملايين المصريين ممن يعانون البطالة والتهميش، ورحلة الشقاء اليومي لتوفير لقمة العيش، في معاناة يشارك فيها المسلم أخاه القبطي، مما ولّد الاحتقان الذي يعد أفضل وصف للحالة السائدة في الشارع المصري في الوقت الراهن.

القوى السياسية غاضبة والنقابات المهنية مستنفرة، القضاة في هبة غير مسبوقة للدفاع عن استقلالهم، العمال يضجون بالشكوى من أحوالهم المعيشية المتدنية وهوانهم على أصحاب الأعمال، وهؤلاء خليط من المسلمين والأقباط في إطار الجماعة المصرية بعمومها، لا فرق بين مسلم وقبطي في قارب الوطن الذي تتنازعه الأنواء والعواصف في بحر هائج.

نحن إذن أمام حالة من الغضب العام على أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية، مطلوب أن يطلق العنان أمام جميع الطوائف والقوى السياسية الاجتماعية للتعبير عنها، لكن في إطار الوعي بما هو منشود من الحراك، والدعوات إلى التغيير، بحيث لا ننزلق إلى هوة سحيقة من الخلاف الذي يترك جراحاً لا يصلح الزمن في مداواتها.

هذا لا يعني الوقوف عند شعارات مرفوعة، وان كانت في جوهرها صحيحة، لكن تكرارها من دون مضمون على ارض الواقع، حولها إلى اسطوانة مشروخة، لا تشفي مرضا ولا تداوي عللاً من قبيل ظهور رجال الدين من الطائفتين وهم يتحدثون عن التسامح والمحبة.

نحن نريد تشريح أوجاعنا بمشرط جراح ماهر يعرف الوصول إلى أصل الداء مباشرة، وقادر على استئصال الوجع من جذوره، وفي الوقت نفسه قادر على السيطرة على أي نزيف جانبي، يمكن أن يمثل خطراً على المريض.

نريد العقلاء من الطرفين، والعلماء والمصلحين من أبناء الوطن كافة، أن يدلوا بدلائهم في مشكلاتنا جميعاً، واضعين مشكلة كل فئة على حدة في الاعتبار وهم يبحثون عن الحلول، التي يمكن أن تجنبنا السقوط في هوة الشقاق، وفتح الباب أمام التناحر والبغضاء والعداوة، وهو ما سندفع جميعا ثمنه من حاضرنا ومستقبلنا.

طالب البعض بتغيير المناهج الدراسية التي اعتبروها لا تشجع على تقبل الآخر، ودعا البعض إلى تنقية ما تقدمه وسائل الإعلام من برامج وأعمال لا تساعد على التقارب، وحض آخرون الأقباط على الاندماج في الحياة السياسية والانخراط في الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، وكلها دعوات مطلوبة،

شريطة أن توجه إلى المصريين كافة وليس الى طائفة بعينها، فالاحتقان يطال الجميع ولا يقتصر على الأقباط وحدهم، ولا يجب الترويج لدعوات أحادية الجانب، تكرس الانقسام أكثر منها لم الشمل.

دعونا نفكر في الوطن، الذي يعلي من شأن المنتمين إليه، لا فرق لطرف على الآخر إلا بالاجتهاد لحمل لوائه، والذود عن مصالحه، والوقوف في وجه من يعبث بمستقبله سواء في الداخل أو الخارج، وان تكون المواطنة الحكم في الحصول على الحقوق وتحمل الواجبات، من دون تفرقة بين لون أو جنس أو دين كما ينص الدستور.

لا نريد الاعتماد على الحلول الجزئية، أو الانفعالات اللحظية، التي تنتهي مع مرور العاصفة، فيما تتجمع الأعاصير، التي قد تتحول إلى «تسونامي» لا يمكن الوقوف في وجهه، ويجعل من الإسكندرية أكثر المدن المصرية تسامحا، ساحة للتشاحن والبغضاء التي وصلت إلى حد إسالة الدماء.