كتبت مقال الأسبوع الماضي قبل أحداث الإسكندرية المؤسفة، وبالتالي فلم يكن حديثي عن الوحدة الوطنية التي تجمع أقباط مصر ومسلميها من أحاديث المناسبات التي تعقب حادثة هنا أو هناك، لم يكن الهدف لملمة جراح انفتحت أو التغطية على واقع غير ما نتمناه،
وإنما كان الحديث ينطلق من أن مصر ذات النسيج الوطني الواحد يصدمها بشدة أن ترى خطر الحروب الأهلية تهدد أكثر من موقع على امتداد الوطن العربي. ولعل ما حدث في الإسكندرية قبل أيام من أحداث طائفية يؤيد - ولا ينفي - ما ذهبنا إليه في مقالنا السابق.
ودون استباق لنتائج التحقيق، وبصرف النظر عن أن من قام بالاعتداء على المصلين في الكنائس كان شخصاً واحداً أم أكثر، عاقلاً أو مجنوناً، ودون الدخول في تفاصيل عن كفاءة الأمن في التعامل مع ما حدث،أو فرضية وجود أصابع مشبوهة شاركت أو حرضت..
فإن المهم في البداية والنهاية أن الإجماع الوطني تعامل مع الواقعة وذيولها على أنها حادث خارج السياق.و مع وجود بؤر للتطرف هنا أو هناك، وعلى هذا الجانب أو الجانب الآخر، فإن مشاعر الأسى التي غمرت سبعين مليوناً من المسلمين والأقباط كانت تتوحد وراء موقف واحد ينبني على أن: ليست هذه مصر !!
هذا هو العاصم الذي حمى مصر على مدى السنين من الوقوع في شراك الطائفية. قد تقع الأحداث وقد تتصاعد في فترات من التاريخ - بفعل عوامل داخلية أو مؤامرات خارجية - ولكن الوعي العام لكل الأطراف يظل يتعامل معها على أنها النشاز الذي ينبغي تقويمه، والخطأ الذي ينبغي التسامح معه.
وبالفعل فقد هدأت زوبعة الإسكندرية بسرعة، واستعادت المدينة الجميلة سكينتها، وخرجت المظاهرات تهتف لوحدة الهلال مع الصليب، ولكن ذلك كله لا ينبغي أن يمنع طرح أسئلة آن الأوان للتعامل معها بالجدية الواجبة،
وكل الأسئلة تنطلق من نقطة انطلاق واحدة وهي: هل يجوز لنا أن نرتكن إلى تاريخ طويل من الوحدة الوطنية الصلبة، ثم ننام قريري العين واثقين من أن شيئاً لن يخدش الوحدة الوطنية ؟
وإذا جاز هذا في زمن مضى فهل يجوز الآن والفتن الطائفية تعصف بالمنطقة والحروب الأهلية تهدد أكثر من دولة عربية، وقوى كبرى تعلن بوضوح وصراحة أنها تريد خريطة جديدة للمنطقة..
ثم يختفي هذا الوضوح وتلك الصراحة حين يكون المطلوب أن تقوم الخريطة الجديدة على تقسيم الوطن العربي على أسس طائفية وعرقية تلغي من قاموسها كلمة «العروبة» التي جمعت الكل في وعاء قومي يعلو على العصبيات الدينية والطائفية ؟
نعم لدينا تاريخ طويل من الوحدة الوطنية التي تقوم على التسامح والمودة، وكل الحركات المتطرفة كانت تجئ من الخارج، وكانت في النهاية لا تستطيع أن ترسخ في التربة المصرية، وأفكار الغلو والتكفير لم تكن نتاجاً مصريا،
حتى أفكار سيد قطب كان منبعها فكر الأقلية المسلمة في دول كالهند. لكن ذلك كله لا ينبغي أن يجعلنا نكتفي بالتاريخ ونترك الآخرين يعملون على تخريب مجتمعاتنا وتصدير التطرف إليها، ولا يسمح لنا بأن نرتكب الأخطاء في حق أنفسنا متصورين أننا قادرون على تصحيح الخطأ في الوقت المناسب دون أن يترك أثراً أو يحدث جراحاً.
لقد تصور السادات ذلك حين قام بتسليح الجماعات الإسلامية المتطرفة وأطلقها في الجامعات في بداية السبعينات لكي تضرب اليسار الذي كان مسيطراً في هذه الفترة، ولم تمض سنوات حتى كان الصغار يكبرون، والحلفاء يتصارعون، والسلاح الذي وضعه السادات في أيدي التطرف يرتد إليه في مشهد مأساوي لم يشهده تاريخ مصر من قبل.
ومنذ ذلك التاريخ وقوى التطرف تصعد وتهبط وتصطدم وتهادن، وتماسك المجتمع وصلابة الوحدة الوطنية هي الحائط الصلب الذي يصد كل ضربات التطرف. ولعله من المفارقات التي ينبغي الوقوف عندها أن أحداث الإسكندرية الأخيرة ترافقت مع الإفراج عن أعداد كبيرة من أعضاء الجماعة الإسلامية الذين كانوا رهن الاعتقال ومنهم زعامات تاريخية كانت ضمن المتهمين في اغتيال السادات،
وذلك بعد عملية المراجعة التي قاموا بها لأفكارهم والتي أدانوا بعدها المنهج الذي اتبعوه قبل ذلك في تكفير المجتمع واستخدام العنف باسم الإسلام لقتال الجميع دون تفرقة بين مسلم وقبطي ! الوحدة الوطنية هي التي حمت مصر من هذه الهجمات، والمجتمع كله وقف صفاً واحداً بكل تياراته ضد حملات التكفير وضد محاولات زرع الفتنة الطائفية.
وانتصرت مصر بكل مكوناتها الدينية وتنوعاتها السياسية والفكرية. لكننا في النهاية نرث وضعاً شديد الخطورة إذا لم نحسن التعامل معه، وإذا لم نفهم أن الوحدة الوطنية هي كائن يحتاج للعناية المستمرة وإلا تعرض للتآكل، خاصة حين تكون الهجمة التي يواجهها المجتمع بمثل هذه الضراوة التي نشهدها الآن.
فمصر ليست منعزلة عما يدور في المنطقة، وخاصة ما يجري في العراق وفلسطين.. ومع مخاطر الحرب الأهلية في العراق، ومحاولات إسرائيل لتصفية القضية الفلسطينية وفرض الأمر الواقع على الجميع، وتفاقم العجز العربي عن التعامل مع التحديات الهائلة التي يواجهها ما بين الصراع (أو الوفاق) الإيراني الأميركي، إلى استعداد قوات حلف الناتو للمرابطة في السودان،
تبدو الحاجة الأميركية - الإسرائيلية إلى انكفاء مصر على مشاكل الداخل حتى يتم ترتيب الأوضاع في غيبتها، وهو هدف لم تتخل عنه السياسة الأميركية منذ خمسين عاماً وحتى اليوم.و في كل مرة كان استخدام قوى التطرف ومحاولة إحداث الفتن الطائفية هو إحدى وسائل إرغام مصر (أو محاولة إرغامها) على الانكفاء للداخل!
هذه الضغوط الخارجية تتحالف مع أوضاع داخلية بالغة الدقة والتعقيد. حيث تمر مصر بمرحلة تحول هامة تأخرت كثيراً وهي مضطرة الآن لأن تدفع فواتير هذه التأخر في إجراء إصلاحات سياسة ضرورية، حيث كانت النتيجة وصول الحياة الحزبية إلى ما يشبه حالة الموت، وصعود تيار الإخوان المسلمين ليواجه الحكومة وحزبها في صراع فيه القليل من السياسة الحقيقية والكثير من الخلط بين الدين والسياسة.
و يترافق ذلك مع انتشار مريع لثقافة التخلف التي تدعو إلى إعادة إنتاج الماضي أو سجن المجتمع في أسر أفكار الأقدمين ومعاداة التقدم والعلم، والعيش في أسر الخرافة حيث كتب عذاب القبر وزواج الجن هي الأكثر انتشاراً، وحيث الفقهاء (!!) مشغولون بجواز تعري الأزواج في فراش الزوجية وآداب الدخول إلى المراحيض !
ومع الفراغ السياسي، وثقافة التخلف، تأتي الأوضاع الاقتصادية لتضيف بعداً أساسياً تصبح فيه مشكلة البطالة قنبلة موقوتة تهدد بالانفجار في أية لحظة، وتترك الملايين من الشباب يواجهون المجهول وينتهون إلى الاكتئاب أو التطرف أو المزاوجة بين الاثنين ( لا حظ الجرائم المتعددة التي تنسب للمرضى النفسيين وآخرها ما حدث في الإسكندرية،
ولاحظ أن أحداث الشغب في الإسكندرية أو في غيرها كان معظم من قاموا بها من الصبية الصغار العاطلين عن العمل أو المشتغلين بأعمال هامشية )، ولم تكن ظاهرة «البلطجة» التي شهدتها الانتخابات البرلمانية الأخيرة بعيدة عن كل ذلك، وربما ساعد عليها دخول المال السياسي إلى هذه الانتخابات، لكن العوامل السابقة كانت البيئة التي احتضنت هذه البلطجة وساعدت عليها.
هذا هو المناخ الذي اندلعت فيه أحداث الإسكندرية، وغيرها من حوادث العنف التي ارتدت هذه المرة الرداء الطائفي، وواجهتها الوحدة الوطنية بثبات حتى استعادت المدينة هدوءها. عاد الهدوء ولكن لا ينبغي أن يعود معه التكاسل عن طرح الأسئلة الهامة حول الحاضر والمستقبل حتى لا نفاجأ بما هو أسوأ
نعم.. هناك مشاكل لدى الإخوة الأقباط لابد من التعامل معها بجدية وفتح الحوار حولها بشجاعة. وهناك مشاكل أخطر حول العمل المطلوب لمواجهة البطالة التي لم يعد ممكنا التهوين من شأنها أو التعامل معها تعاملاً بيروقراطيا، وأظن أن التعاون العربي مطلوب وبشدة، خاصة في ظل ثورة الأسعار البترولية وفوائض المال العربي التي تبحث عن أسواق ثم تبتعد،لأسباب غير مفهومة،عن الأسواق العربية.
وهناك الأهم، وهو كيفية مواجهة ثقافة التخلف وفقهاء الجهل ودعاة التطرف الذين ينخرون كالسوس في العقل العربي في غيبة حركة للنهوض العربي تستعيد أعظم ما في الإسلام من قيم تعلي من كرامة الإنسان وحريته وتحترم العقل وتدعو للعلم، وتؤكد على عروبة تنفتح على العالم وتؤكد الهوية دون تعصب وإنما برغبة كبيرة في أن تترك مكانها الحالي في قائمة العجز والتخلف لتعود - كما كانت - أحد الصانعين لحضارة الإنسان.
هذا هو وقت الحوار الوطني الذي يشارك فيه الجميع بعقل مفتوح وبإحساس عميق، إن الكل شركاء في الوطن، وإن المستقبل لا ينبغي أن يحدده مسؤول أو حزب أو فصيل وحيد، وإنما يصنعه التوافق الوطني الذي قد يكون صعباً في دول كثيرة، ولكنه في مصر ليس كذلك،
حيث التجانس الوطني وحيث مساحة الوفاق بين كل الأطراف كبيرة، وحيث يتحرك الجميع باعتبارهم جماعة وطنية واحدة ترفض منطق الأقليات أو التفرقة على أساس الدين أو العرق، و.. من هنا نبدأ وإلى هنا ننتهي بعد أن نحدد معا برنامج الإصلاح وطريق النهضة.
نقيب الصحافيين المصريين