الاصطدام السياسي بين حكومة «حماس» ورئاسة السلطة واستطراداً «فتح» وقياداتها، صار مسألة دورية. منذ الانتخابات الأخيرة، وبخاصة بعد تشكيل الوزارة الجديدة، ويكاد لا يمر أسبوع من دون مناكفات أو تفجير نزاعات أو عمليات شد واستقطاب. وفي كل مرة كان مؤشر التباعد والتنابذ يرتفع على حساب امكانيات، بل ضرورات التقارب.
كل طرف يقف بالمرصاد للآخر. يتحين الفرص لتحريك النقاط لصالحه وتعزيز مواقعه. آخر الجولات، كان ما سمي بـ «حرب الصلاحيات» بينهما كانت جولة حادة، بإجراءاتها، وبردود الفعل عليها. الأمر الذي فاقم الخلاف وشحنه بالمزيد من التوتر، المفتوح على المزيد من التدهور،
فلغة التراشق المتبادل تعنفت على نحو غير مسبوق. بدت وكأنها مؤشر على اقتراب لحظة انقطاع شعرة معاوية بين الخصمين. هل فعلاً هي مسألة «صلاحيات»؟ وهل المرحلة الراهنة تسمح بمثل هذا التعنيف؟ التجاذب وشد الحبال بين «حماس» و«فتح» قديم. العلاقة بينهما كانت باستمرار محكومة بقاعدة الصراع والتعايش. صراع تحت السيطرة.
وتعايش على مضض. سادته حالة من التوازن بين الارتياب المتبادل وبين الحاجة المشتركة لقبول الآخر. تولدت عن ذلك ثنائية، كان ربما لها ايجابياتها، كما لها سلبياتها. لكنها ثنائية بقيت ملتزمة بعدم اجتياز الخطوط الحمر. وأخطرها الحرب الأهلية التي طالما سعى العدو الإسرائيلي إلى إشعال نارها.
رغم كل تناقضاته وتشرذمه بقي الوضع الفلسطيني محصناً ضد الوقوع في هذا الفخ. وهذا بحدّ ذاته انجاز، من حقه الاعتزاز به على الأقل حتى الآن. لكن الظروف تغيرت وطرأت مستجدات. التحديات تفاقمت مخاطرها وصارت استحقاقاتها على الباب.
الأمر الذي كان ينبغي ان يفرض على الساحة الفلسطينية وقواها اعتماد مقاربة مختلفة، تفضي إلى صياغة علاقات داخلية تتناسب مع الظرف وتعيد النظر في الأولويات.للأسف الاستجابة لهذه المتطلبات، لم تحصل. وكانت الذروة في فشل محاولات تشكيل حكومة وحدة وطنية تشمل كل الأطراف.
وكان يمكن استمرار التعايش ضمن معادلة موالاة ومعارضة، لو بقيت الأمور في هذا الإطار، لكن العلاقة قفزت سلباً الى مستوى الصراع المكشوف حول السلطة والنفوذ، ونزل الصراع الى أرض الإجراءات.
فاحتدم النزاع وبات يهدد بويلات كثيرة، كل طرف يزعم انه يتصرف ضمن القانون ويحرص على احترامه.وزارة الداخلية تنشيء «قوة أمنية تنفيذية خاصة» لضبط الأمن، مع إجراء تعيينات وترقيات أمنية، وقالت انها تصرفت من ضمن صلاحياتها.
الرئاسة الفلسطينية ترد بإلغاء هذه الخطوات وتدعي ان هذه أمور مخالفة للقانون لأنها تعود لصلاحيات الرئيس عباس. واكب هذه التطورات ملاسنات حادة تكشف عن الكثير من المكبوت والمضمر.
اذا كان القانون واضحاً في هذه الشؤون فلماذا اذاً ينفجر الخلاف بهذه الصورة؟ واذا كان يلفه التباس فلماذا لم يحصل تنسيق وتشاور؟ كيف يجوز ان تنشب حرب حول الصلاحيات في اللحظة التي تشتد الضائقة المالية الخانقة على الوضع الفلسطيني وتهدد بوقوع «كارثة» على حد تعبير الرئيس الفلسطيني.
ويزيد من درجة المفارقة ان ينشب مثل هذا الخلاف العلني الساخن في اللحظة ذاتها التي تعلن فيها إسرائيل عن انجاز نصف حائط الفصل العنصري، الذي يقضم شريحة كبيرة من أراضي الضفة، وفي اللحظة التي يدعو فيها أحد الجنرالات الإسرائيليين إلى إعادة احتلال غزة.
حرب الصلاحيات هي مقدمة لحرب بين المشروعين الفلسطينيين القائمين على الساحة. ولا اجتناب لهذه الحرب إلا بالتوافق على مشروع حد أدنى واحد. وإلا فلن يكون التاريخ رحيماً.