نحن في عصر «الديجيتال» هذا هو الواضح من كل ما يدور حولنا، كل شيء مضغوط، ويعمل بالأزرار، ما عادت هناك ضرورة لاستخدام الأيدي سوى اللمسة الأولى، وهي دائما تكون اللمسة الأخيرة، الأجهزة معدة لذلك، وحتى السيارات بدأت تفتح أبوابها ويشغل محركها بإصبع لا أكثر،

ولن نستغرب ان انتقلنا قريبا إلى عصر جديد يعتمد على النوايا، فان كانت نيتك ركوب السيارة انفتحت لك الأبواب ودار المحرك، وان أحسست بالحر اندفع الهواء من المكيفات في وجهك ليبرد عليك، وان رغبت في بعض الإضاءة وتعبت عيناك من الظلام ليس عليك سوى التحدث مع نفسك، وأبد رغبتك في مزيد من الضوء فاذا بكل «لمبات» البيت تضيء لك دربك، وهكذا، حتى المصانع ستدار قريبا بحسب النوايا.

عالم غريب ينقلنا من مرحلة إلى مرحلة ونحن نتعايش معه، ليس امامنا غير ذلك، يتغير سلوكنا، وتتبدل تصرفاتنا بحسب متطلبات كل مرحلة، رحم الله أيام «الهندل» ولن أقول ما قبله، فذلك زمان التخلف والجهل، كل شيء كان بحاجة إلى جهد حتى يعمل،

ولن ننسى الضربات التي كانت تعيد الحياة لكل الآلات، من التلفزيون الذي يحتاج بين كل فترة وأخرى إلى صفعة في الجنب أو «القفا» حتى تنضبط صورته، إلى بعض الآلات التي لا ينتظم عملها قبل ان «ترفس»، وياحسرة على زمان «الاوتوماتيك» فما كدنا نتعود عليه حتى دخلنا مراحل «الريموت» ولوحات المفاتيح وأزرار ضبط المواعيد للتشغيل والإطفاء والإنتاج والتحرك والتوقف وحتى النوم.

ويبقى هذا الزمان هو المختلف بشكل كامل عن كل ما سبقه وما سيلحقه، كلنا أصبحنا فيه نعمل بطريقة «الديجيتال»، وندار بحسب ما تتطلبه هذه التكنولوجيا، هي التي تديرنا منذ لحظة صحونا وحتى موعد نومنا، جعلناها أساسا لحياتنا، في شؤون عملنا، وفي بيوتنا،

وفي حركتنا ما بين اجتماع وموعد وقضاء حاجة، حكمتنا الآلة بمفهومها الواسع، وتسيد نظام الاختصار والاختزال والإيجاز حتى كاد ان يلغي كل القواعد والنظم والمبادئ التي تقوم عليها نظريات الإدارة والمتابعة والانجاز،

واكتشفنا اننا وفي ظل هذا التوجه قد خلقنا عالما خاضعا لشروط الديجيتال على عكس ما هو متوقع في الأساس، وهو إخضاع هذا العالم أو العصر إلى إرادتنا، وكانت النتيجة شبه إلغاء لدور البشر بكل مكتسباتهم الحياتية، والاعتماد على من يؤدون ادوار «الريبوتات» في نظام «الديجيتال».

myousef_1@yahoo.com