استدعاء التاريخ وتوظيف أحداثه في الحاضر السياسي الكويتي لا يعني الا إحياء مواجع قديمة وثارات بالية لا تؤدي في آخر الامر الى ما يفيد واقع الكويت المعاصر وهو واقع دستوري وقانوني, ولا يعطي امتيازات لاحد الا بمقدار »التقوى الوطنية« وليس بمقدار اي شيء آخر.
وإذا كان استدعاء أحداث التاريخ من »معركة الصريف« إلى »سنة المجلس« إلى بعض العائلات التجارية التي ظلت على صلة بصدام حسين حتى قبل أيام الغزو بقليل...
إذا كان هذا الاستدعاء يجري على خلفية تعديل الدوائر الانتخابية وتقليصها الى خمس او عشر دوائر فإنه في الوقت نفسه يستدعي معه تحريض النظام على فئات في المجتمع الكويتي الامر الذي لا يستسيغه واقع هذا النظام الذي يعمل الآن بالدستور وبالقوانين وبصيانة الوحدة الوطنية.
إن أيام المجاملات العائلية والقبلية والطائفية انتهت من أيام الامير الراحل عبدالله السالم واضع ركائز الدولة الكويتية الحديثة، فالخارطة السياسية الراهنة التي ينشط الناس ضمنها الآن لا تعتبر خارطة لدولة متقدمة.
وإذا اعتبرنا الدوائر الانتخابية الراهنة (25 دائرة) هي هذه الخارطة فانها لا تمثل دولة الكويت الحديثة ولا نظامها الدستوري القانوني المتقدم.
فأثناء نهوضنا ببناء الدولة صادفنا عقبات كثيرة أثرت على سرعة التنمية لكننا تجاوزناها ولم يعد من الجائز التعامل مع مراحل أصبحت وراء ظهور الجميع.
اليوم هناك دستور وقوانين دستورية ومؤسسات هي التي تحكم البلد بواسطة نظام على رأسه أمير تم انتخابه شعبيا وليس فقط من قبل أسرة الحكم.
لذلك واذا ما رفعنا راية الاصلاح السياسي بإصرار لابد من أن تتعدل دوائر الانتخابات لأن الدوائر الخمس والعشرين الراهنة انتخبها المجلس الوطني الذي تشكل في مرحلة امتازت بالتراجع الديمقراطي، وبالتالي كان عليه كلام أقله أنه مجلس غير شرعي ويمثل تراجعا عن الدستور وظاهرة من مظاهر العودة الى دولة ما قبل النظام الديمقراطي والتي من المفروض أنها اصبحت في ذمة التاريخ.
إن الخارطة السياسية الحالية القائمة على خمس وعشرين دائرة انتخابية تكرس القبلية والعائلية والطائفية وتمنع إنتاج طبقة سياسية جديدة تمثل الكويت الحديثة ومجتمعها الحديث...
هذه الدوائر يجب ان تتغير مرة واحدة والى الابد على الاقل للقضاء على الفساد السياسي وعلى ظاهرة شراء الاصوات وفوز نواب بالتزكية أو بأصوات لا تصل الى الالف صوت يأتي بعدها الفائز ليدعي تمثيل الامة والنطق باسمها وهو بالكاد يمثل نفسه.
الدولة هنا وحتى تطوي صفحة الماضي ومحاولات استدعائه للوظيفة السياسية وحتى تقضي على اي إمكانات للمساس بالوحدة الوطنية عليها ان تصر بكل الطرق الدستورية والقانونية على تعديل الدوائر خمس او عشر أو حتى جعل الكويت كلها دائرة انتخابية واحدة...
فاللجنة الوزارية لم تتفق على الدوائر الخمس الا بعد ان درست الخارطة السياسية والاجتماعية ورأت ان تشكيل هذه الخارطة من اقل عدد من الدوائر هو بداية الاصلاح السياسي وبداية انتاج طبقة سياسية جديدة.
على الحكومة ان تكون قوية في هذا الجانب ولا تورث الحكومات الآتية أوزار ضعفها ولا تدع القوى الخارجة عنها تعطل أعمالها وتترك للكتل النيابية داخل المجلس فرصة الحلول محلها.