يتعين هنا طرح تساؤل مغيب وسط اللهاث اليومي: هل كانت السلطة الفلسطينية لحظة نشأتها بموجب اتفاق لم ينل الرضا الكامل فلسطينيا تملك قابلية النمو والتطور إلى دولة حقيقية؟.

قد لا يتبادر الشك لحظة أن الراحل ياسر عرفات ومن بعده محمود عباس (أبومازن) يعتقدان بأن السلطة ليست سوى مشروع للدولة الفلسطينية المستقلة التي يسعى إليها الفلسطينيون. ليس هؤلاء فقط بل نصف الشعب الفلسطيني على الأقل.

لكن المعني أكثر بالسؤال هي حركة المقاومة الإسلامية (حماس) منذ البداية ولربما بشكل أكثر إلحاحاً الآن. هل يمكن أن نأخذ مشاركة حماس في الانتخابات وفوزها وتشكيلها للحكومة الفلسطينية على انه جواب؟.

أي أن (حماس) لديها قناعة بأن الحكومة الفلسطينية التي تديرها الآن وقبل ذلك مشاركتها في الانتخابات تعكس قناعة لديها بان هذه السلطة والكيان الفلسطيني الناشئ يملك من المقومات ما يجعلها ينمو إلى دولة مستقلة؟.

منذ العام 1996 على الأقل، وكلما تعلق الأمر بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) والسلطة الفلسطينية وإسرائيل، كنت اردد أن على قادة حماس أن يدركوا أن إسرائيل لا تريد أي كيان فلسطيني قابل للنمو إلى دولة سواء كان على رأسه ياسر عرفات أو أحمد ياسين أو أي فلسطيني آخر.

الآن أميل للاعتقاد بأن حماس ربما أدركت أن السلطة الفلسطينية والمؤسسات التي نشأت على أساس اتفاق أوسلو تمثل ألوية للدولة وقواعد يمكن البناء عليها من منظور تاريخي أو استراتيجي بالأصح.

بمعنى أن مجمل الحركة السياسية الفلسطينية يتعين أن تسير باتجاه بناء دولة فلسطينية مكتملة السيادة. لكن إن صح هذا الاعتقاد، فان قناعة حماس جاءت متأخرة والاهم بثمن باهظ الكلفة.

لكن ثمة ما يدعونا لعدم التعجل في الاستنتاج، ففي موقعها على شبكة الانترنت لاتزال الحركة تعرض موقفها من سلطة الحكم الذاتي على نحو ينفي ذلك الجواب.

فالحركة لاتزال تقول التالي: «ترى حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أن (سلطة الحكم الذاتي) ليست أكثر من إفراز من إفرازات اتفاقات التعايش مع العدو الصهيوني وتؤمن الحركة أن الصهاينة وافقوا على إقامة هذه السلطة لتحقيق مجموعة من أهدافهم الآنية والبعيدة».

(المركز الفلسطيني للإعلام) ابعد من هذا، فان السلطة حسب ما جاء في الموقع «مطالبة بتنفيذ التزاماتها التي تعهدت بها في الاتفاقات وفي مقدمة هذه الاتفاقات التصدي لعمليات المقاومة وضرب فصائلها وإضعافها بحجة حماية مسيرة التسوية واتفاقات السلطة مع إسرائيل».

ان السلطة بالنسبة لموقف حماس المعلن تمثل جملة من الشرور، فهي «تشكل ستارا من شأنه إضفاء نوع من الشرعية على الاحتلال وممارساته» و«ان الصهاينة حاولوا تجنب مواجهة الحركة وبرنامجها الجهادي عبر الاختباء خلف سلطة الحكم الذاتي» و«ان اتفاقات أوسلو صيغة مضللة لتصفية القضية الفلسطينية».

لكن الحركة تعي جيداً أن الاحتراب الأهلي الفلسطيني كان هدفا سعت إسرائيل دوماً إلى تحقيقه وتعلن بوضوح أن ذلك «انعكس على مواقف حركة (حماس) التي تجنبت بكل حزم الانجرار لصراع مع السلطة

رغم ممارسات السلطة القمعية وتعدياتها على حقوق الإنسان في مناطق الحكم الذاتي والتي بلغت حد اغتيال المجاهدين وإطلاق الرصاص على المصلين واعتقال المئات من أبناء الشعب الفلسطيني بحجة تأييدهم لفصائل المقاومة الفلسطينية» حسب الموقع نفسه.

لكن هذا يعيد طرح التساؤل بقوة حول موقف حماس من سلطة الحكم الذاتي بشكل أكثر إلحاحا الآن. هل ترى الحركة أن هذه السلطة تملك إمكانيات النمو لكي يتحول إلى دولة؟.

في تلك السنوات، كانت حماس تقوم بعملية استشهادية فترد إسرائيل أولاً بتحميل السلطة مسؤولية العملية وترد بضرب منشآت ومؤسسات السلطة. كان السيناريو يجري على هذا النحو منذ 1994 او 1996 على الأقل وحتى اجتياح جنين ومحاصرة عرفات في المقاطعة.

وبعد ان أضعفت إسرائيل السلطة إلى أقصى الحدود وشلت حركتها السياسية بحصار عرفات، التفتت الى حماس وبدأت توجه لها ضربات تتعدى اغتيال عناصر كتائب الأقصى لتطال القيادات.

اغتالت الشيخ احمد ياسين والدكتور عبدالعزيز الرنتيسي، لكن المفاجأة هو أن رد الحركة لم يكن بمستوى الفعل. بل لقد حدث التحول الأهم في الحركة وسياساتها وتوجهاتها. الآن سيتذكر قياديو حماس بعضا من الأسئلة والعبارات التي كانت تتكرر قبل سنوات عندما كانت خارج السلطة.

فبعد عملية تل أبيب الأخيرة التي أعلنت حركة الجهاد الإسلامي مسؤوليتها عنها، ردت إسرائيل فورا بتحميل الحكومة الفلسطينية مسؤولية العملية بطريقة تذكرنا بتحميل السلطة والرئيس عرفات مسؤولية عمليات حماس.

ان هذا سيضع حكومة حماس في محنة كتلك التي عاشتها حكومات فتح من قبلها. ليس بإمكان حكومة إسماعيل هنية أن لا تأخذ تهديدات الإسرائيليين على محمل الجد، وليس بإمكانها الإشاحة عن فوضى السلاح في الشارع الفلسطيني.

وهي حتما ستتذكر مناشدات مسؤولي حكومات فتح السابقة برئاسة ابومازن وقريع حول فوضى السلاح وضرورة ضبط السلاح. وهي بعد ان عاشت مخاض تشكيل حكومة وحدة وطنية، ستتذكر بلا شك ردودها على دعوات حكومات فتح لها بالمشاركة في التشكيلة الوزارية وستتذكر رفضها وحججها في الرفض.

الآن هو الوقت المناسب لحماس لتعيد قراءة الوضع بشكل أكثر عقلانية وببعد نظر تاريخي. فرفض فتح الدخول معها في حكومة وحدة وطنية هو تكرار لموقفها في السنوات الماضية.

والتحدي الذي ستفرضه العمليات الاستشهادية سيقابله منطق مماثل ولا ريب أن قياديي حماس وخصوصا رئيس الوزراء إسماعيل هنية سيعيد تكرار العبارات نفسها التي كان يقولها ابومازن واحمد قريع من قبله مخاطبا الفصائل الأخرى ومعولا على عقلانيتها في خلق توازن بين متطلبات إدارة الدولة وإدارة الصراع مع إسرائيل.

وعدا حالة الحصار غير الأخلاقي الذي فرض على الحكومة بقطع المعونات، سيجد هنية وقياديو حماس ان إدارة الدولة وتلبية احتياجات الشعب يحتاج لحس عملي وسياسات مفتوحة وقنوات اتصال وقبول مع العالم.

لو كانت حماس الآن اقتنعت بان سلطة الحكم الذاتي التي تديرها اليوم تملك إمكانية النمو لكي تصبح دولة فان هذا إدراك متأخر للغاية وبثمن باهظ الكلفة. وهذا يوجب عليها إجراء مراجعة أمينة وصارمة وموضوعية لمسؤوليتها في السنوات السابقة عندما فاتها ان تدرك ان السلطة ليست الأشخاص بل المؤسسة.

المؤسسة التي كان يتعين عليها ان تضعها في مكانها الصحيح كسلطة فلسطينية ناشئة يمكن ان يديرها ياسر عرفات ويمكن ان يديرها احمد ياسين ويمكن ان يديرها احمد سعدات او حنان عشراوي أو زهيرة كمال.

وصولها اليوم إلى السلطة يثبت هذا بالضبط، والحديث عن الانتقال السلس للسلطة كمثال نادر في بلداننا العربية، إنما يؤكد هذا بالضبط، أي أن نتعامل مع السلطة كمؤسسة لا أشخاص.

حماس في السنوات السابقة لم تدرك إلا متأخراً وبعد أثمان باهظة ان بطولاتها ورصيدها المتنامي في الشارع الفلسطيني إنما جاء وهي تختبئ وراء السلطة أيضا.

كانت تضرب وكان الإسرائيليون يضربون السلطة إلى ان أنهكوها وشلوها. وعندما التفتوا لحماس، تغيرت الحركة ودخلت في السلطة التي ظلت تمثل بالنسبة لها كل الشرور.

كاتب بحريني