من يوقظ الفتنة النائمة مجرم. لكن هل يقل عنه إجراماً من يرى فتنة مشتعلة فيقرر أن يزيدها اشتعالاً؟ أتحدث عن مشروع فيلم سينمائي مصري في مرحلة الإعداد المبكر عن سيرة المسيح عليه السلام يشارك في إنتاجه ثلاثة منتجين: نور الشريف وسمير صبري وإسعاد يونس.
ورغم أن إعداد سيناريو الفيلم لم يكتمل بعد إلا أنه يمكن القول منذ الآن ودون مبالغة إن عرض الفيلم قد يؤدي إلى إثارة فتنة دينية.. أو بالأحرى صب الزيت على فتنة متفاعلة بين المسلمين والأقباط.
سيرة المسيح عيسى عليه السلام تمثل المرتكز الأساسي للخلاف العقائدي بين الإسلام والديانة المسيحية كما يمارسها أتباعها بمختلف مذاهبهم. كيف إذن يكون مدخل سيناريو الفيلم: هل يأخذ بما يقوله القرآن عن المسيح عليه السلام فيغضب المسيحيين أم يأخذ بالرؤية المسيحية فيغضب المسلمين..
علماً بأن من عهد إليه بكتابة السيناريو ينتمي إلى المسيحية كما أعلن المنتجون؟ وهناك خلاف أساسي عقائدي آخر، فالمرتكز الأساسي للعقيدة المسيحية هو صلب المسيح بينما ينفي القرآن حادثة الصلب بصورة قاطعة: «وما صلبوه وما قتلوه ولكن شبه لهم».. «بل رفعه الله إليه».
فكيف يتعامل السيناريو مع هذه المسألة.. فالأخذ بأي من الرؤيتين كفيل بإثارة فتنة طائفية. من هنا يطرأ سؤال: ما الذي دفع هؤلاء المنتجين الثلاثة (وثلاثتهم مسلمون) إلى اختيار موضوع شائك كهذا من المؤكد أن يزيد نار الفتنة الدينية في مصر اشتعالاً؟
ألا يكفي ما جرى من اشتباكات دموية وقعت مؤخراً في الاسكندرية واشتباكات سابقة في قرى الصعيد؟الاسم المقترح للفيلم هو «المسيح شرقياً». وفي شرح الغرض منه يقول المنتجون إنهم يريدون أن يبلغوا العالم أن عيسى المسيح ينتمي إلينا نحن معشر الشرقيين.
ولا أريد أن أناقش مدى حكمة أو عدم حكمة هذه الفكرة لكن أتساءل: ألا يدرك هؤلاء المنتجون الثلاثة كمسلمين أن هناك إجماعاً إسلامياً بتحريم تصوير وتشخيص الأنبياء أجمعين؟ استناداً إلى هذا التحريم رفض شيخ الأزهر رسمياً مشروع الفيلم.
أما زعماء الكنيسة القبطية فقد اشترطوا أن يطلعوا مسبقاً على السيناريو ليدخلوا عليه ما يرون من تعديل وإضافة وحذف على أن يلتزم منتجو الفيلم حرفياً بالنص النهائي للسيناريو على النحو الذي قررته الكنيسة.
ومما يدعو للانزعاج مقدماً أن أحد المنتجين الثلاثة نصب من نفسه فقيهاً إسلامياً معارضاً الإجماع الفقهي بتحريم تصوير الأنبياء. ويبقى سؤال: هل يحظى مشروع هذا الفيلم بدعم تمويلي خارجي؟
أطرح السؤال لأن من الثابت أن الفتنة الدينية بين المسلمين والأقباط في مصر لها بعد خارجي تحريضي هدفه أن ينشغل الشعب المصري بقضية انصرافية كما نبه إلى ذلك النقابي الحقوقي القبطي جورج إسحاق.