الزيارة التي قام بها الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي إلى «صنعاء» بهدف الانتقال بالعلاقات اليمنية الخليجية من مستوى التعامل إلى مستوى التكامل هي بلا شك تحرك في الاتجاه الصحيح نحو التأسيس لشراكة إقليمية متوازنة ومتكاملة توفر الأساس لصيغة صحيحة ومتكاملة للأمن الإقليمي في الخليج.
ففي ظل وحدة الجغرافيا والتاريخ والحاضر والمستقبل لمنطقة الخليج والجزيرة العربية، تلك الوحدة التي دفعت دولها إلى صيغة لمنظومة عمل مشترك للتكامل الإقليمي في المجالات كافة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدفاعية والأمنية،
وفي إطار عالم جديد يعاد تشكيل خرائطه في فضاءات إقليمية كبيرة، كمنظمة «آسيان» في جنوب آسيا واتحادات جغرافية أكبر «كالاتحاد الأوروبي» و«الاتحاد الإفريقي» ومجموعة «النافتا» في أميركا وغيرها من التجمعات وبالرغم من افتقار هذه التجمعات والاتحادات إلى الكثير من عناصر الاتحاد التي تتوفر للعالم العربي عموماً ولمنطقة الخليج والجزيرة العربية خصوصاً،
والتي تجمعها روابط التاريخ والجغرافيا والإخاء والجوار والقرب والعقيدة واللغة والمصير الواحد، تبقى محاولات تحقيق الاتحاد أو حتى التكامل في منظومة عربية شاملة غير مرئية في المستقبل القريب بسبب غياب الإدراك الواعي والإرادة السياسية، والتحركات العملية اللازمة لتحقيقه في الوقت الذي يبدو تحركنا في اتجاهه أسهل وأسرع وأدعى من تحرك غيرنا.
وحينما أعلن تأسيس «مجلس التعاون لدول الخليج العربية» في مطلع الثمانينات وضم الدول الست الأكثر تجانساً من حيث نظم الحكم والتشابه الاقتصادي والاجتماعي ومن حيث التوجه السياسي العام، تفاءل العرب خيراً باعتبار أن نجاح أي منظومة عمل عربي مشترك ولو إقليمية في الخليج هي إضافة إيجابية لأمتها، وخطوة في اتجاه التكامل مع منظومات أخرى شقيقة كاتحاد المغرب العربي على المحيط.
وكانت توقعات المراقبين تشير إلى أن نجاح مسيرة هذا المجلس في المستقبل سيكون دافعاً لقادته لتوسيع هذه المنظومة العربية الإقليمية لتضم الدول العربية في الخليج والجزيرة العربية التي لم تنضم بعد كالعراق واليمن، ذلك أن نظرة واحدة على خريطة هذه المنطقة لا يمكنها أن تتجاهل حقيقة واقعية وجغرافية واستراتيجية تشير إلى وحدة طبيعية خلفها تاريخ واحد وأمامها مصير واحد.
وقد نفهم أن أسباباً سياسية قد تكون منعت ضم العراق، كما نفهم أيضاً أن أسبابا اقتصادية قبل السياسية هي التي منعت ضم اليمن إلى عضوية هذه المنظومة بسبب تحفظات ناتجة عن اختلاف درجة القوة الاقتصادية بين اليمن وهذه الدول الست في الثمانينات،
ولسوء الحظ جاءت التسعينات لتضع موانع أساسية لتنقلب التحفظات إلى مواجهات، والحساسيات إلى خلافات، والوقوف مع العراق في حربه ضد إيران إلى الوقوف مع الكويت في حربه ضد العراق بعد إقدام النظام العراقي على غزو الكويت.
وبقدر أقل انقلب الموقف الخليجي المتقارب مع اليمن في ذلك الوقت إلى تباعد وخلاف نتيجة موقف مميز اختار أن يحذر من أن تحرير الكويت بقوات عسكرية أميركية وبريطانية يمكن أن تحرر الكويت وتحتل العراق، داعياً إلى البحث عن حل عربي مشترك.
لقد كلف هذا الموقف اليمن عزلة سياسية عبر محيطه الإقليمي الطبيعي وخسارة اقتصادية هائلة تمثلت في عودة مليون عامل يمني من السعودية وحدها ووقف العلاقات التكاملية التي نظمتها اتفاقية الطائف عام 1934 بين اليمن والسعودية.
كما كلف هذا الموقف الاقتصاد اليمني أعباء إضافية كبيرة بوقف المعونات الاقتصادية العربية والغربية عنه في ظل تزايد سكاني وحاجة متزايدة للتنمية. لكن مع تفهم دول الخليج العربية بعد سنوات للموقف اليمني الذي لم يؤيد الغزو العراقي،
ومع العام 1996 أمكن تجاوز هذه الأزمة الطارئة في العلاقات اليمنية الخليجية، وأعيدت العلاقات اليمنية ـ الكويتية، وبدأت جهود حل المشاكل الحدودية اليمنية ـ السعودية، واليمنية ـ العمانية، وبدأت صفحة جديدة في علاقات الجانبين.
وأكد اليمن هذا التوجه الجديد في العلاقات التي اتجهت إلى الإيجابية بطلب الانضمام إلى مجلس التعاون سعياً إلى تأكيد التعاون الإقليمي وترسيخ الأمن الإقليمي لمنطقة الخليج والجزيرة العربية التي تحتل اليمن جزءاً استراتيجياً فيها.
لكن المبادرة اليمنية لم تجد الترحيب إلا في « قمة مسقط « للتعاون الخليجي بعد عرضها بسنوات، حيث قررت القمة ضم اليمن في أربع لجان للمجلس للعمل المشترك، وكانت تلك في نظر الكثيرين إشارة واضحة على انتهاء صفحة الماضي، وسقوط التحفظات الخليجية والتطلع نحو مستقبل جديد.
ولاحظ المراقبون أيضاً أن هذا النوع من الشراكة الإقليمية الخليجية اليمنية كان بعيداً عن اللجان الاقتصادية والسياسية، لكن ذلك لم يمنع المراقبين من توقع أن تتواصل مسيرة الشراكة الإقليمية الخليجية اليمنية بقرارات إضافية من «قمة المنامة» للتعاون الخليجي، إلا أنها لم تقدم ما هو جديد سوى تأكيد أهمية اليمن في منظومة العمل الخليجي.
وقد رأت الدول الخليجية العربية في «قمة أبوظبي» الأخيرة من واجبها دفع التحرك لتدعيم جهود اليمن في تنمية اقتصاده، وزيادة الاستثمار وإقامة المشروعات المشتركة لتأهيل الاقتصاد اليمني للتكامل مع الاقتصاد الخليجي، ولم يكن ذلك أمراً يفرضه الواجب ويدعو إليه الدين وتستدعيه الأخوة فقط،
وإنما باعتباره ضرورة سياسية وأمنية واقتصادية أيضاً، وليس لليمن فقط ولكن لدول الخليج أيضاً، فاليمن الذي تمتد إليه جذور أي «انتماء عربي»، والذي يحتل موقعاً استراتيجياً هاماً في حراسة البوابة الجنوبية للبحر الأحمر،
والذي يملك وزناً بشرياً كبيراً يصل إلى أكثر من 20 مليوناً بما يماثل سكان دول مجلس التعاون مجتمعة، وبما يمكن أن يكون ظهيراً بشرياً لها سواء في الأمن العسكري أو في المشاركة البشرية في التنمية الخليجية،
ولأن المسؤولين الخليجيين أكدوا أن اليمن هو «العمق الاستراتيجي لدول مجلس التعاون، وأنهم حريصون على تعزيز التعاون معه» على حد قول عبد الرحمن العطية الأمين العام لمجلس التعاون في زيارته الأولى لصنعاء، لهذا بدا واضحا أنه «لابد من صنعا وإن طال السفر» كما تشير الحكمة اليمنية الشهيرة.
يأتي تعزيز التعاون الخليجي وصولا إلى الشراكة الإقليمية في التنمية، خطوة في الاتجاه الاستراتيجي الصحيح في الطريق لبناء منظومة أمن إقليمي شاملة لكل الدول العربية والإسلامية المطلة على الخليج بعيدا عن طلب أمن الخليج من خارج دول الخليج.
إن نظرة سياسية واقعية واقتصادية بعيدة النظر لابد أن تدرك أن التكامل الاقتصادي والاجتماعي الإقليمي، وترسيخ الشراكة الإقليمية في التنمية للخليج والجزيرة العربية، في الطريق لمنظومة شراكة مماثلة عربية شاملة وإسلامية أشمل هو المقدمة الضرورية لضمان الأمن الإقليمي ليس للخليج فقط ولكن للوطن العربي وللعالم الإسلامي كله.
amdoh77t@hotmail.com