ذات مرة، وصف البرت اينشتاين الحرية بطريقة رائعة. قال: «كل الانجازات العظيمة يحققها أفراد يعملون في حرية«. هذه المقولة التي أطلقها عالم مرموق تستحق التوقف عندها. معظم علماء الاجتماع يعتقدون أن الهدف الأكبر للحرية هو تخليص المجتمعات الإنسانية من العنف المرتبط بالاستبداد، وإحلال السلام والأمن في ظل القانون والنظام.
والنجاح في تحقيق هذا الهدف النبيل هو مسئولية جماعية تقع على عاتق كل الأفراد في المجتمع. فما لم تكن لدى الإنسان الإرادة والتصميم على أن يحقق ما يصبو إليه من التقدم والنهضة لنفسه ولمن حوله في المجتمع، لن يكون لحريته معنى أو جدوى. فالحرية تعني في نفس الوقت الاحساس بالمسئولية بمعناها الشخصي والمجتمعي العام، ولا تستقيم الحرية مع الاستهتار واللامبالاة. بعبارة أخرى، الحرية بما تعنيه من إحساس بالمسئولية، ينبغي أن تصبح إطارا عقليا يشكل قيمنا الأخلاقية العامة بمعناها الواسع من أجل تحقيق التقدم والنهضة في كل قطاعات المجتمع.
وللأسف، كما نعلم جميعا، يوجد دوما من يسيئون فهم وتفسير الحرية، ويسيئون استغلالها. وتاريخ المجتمعات البشرية يشير إلى أنه من الصعوبة بمكان أن يتعاون أفراد المجتمع إذا كانت تقسمهم وتشق صفوفهم الخلافات الأيديولوجية والثقافية الحادة، وإذا لم يكونوا متفقين على تحديد ما هو الصواب وما هو الخطأ. لكن هذه المعضلة لا تظهر إلا في ظل غياب الحرية. في ظل ممارسة الحرية، يصبح من السهل التعامل مع الخلافات بشكل صحي والتسامح معها طالما أن كل طرف لا يحاول التعدي على حريات الآخرين، أو يحاول فرض أيديولوجيته على الآخرين.
أي طالما أن الجميع يتعاملون بمنطق: عش ودع الآخرين يعيشون. والأمر المؤكد أن إثارة القلاقل وتهديد استقرار وأمن المجتمع لا يمكن أن يكون ممارسة للحرية. كما أنه ليس من الحرية في شيء مهاجمة رجال الأمن والتعدي عليهم. من الواضح أن هناك خللا جسيما في فهم معنى الحرية، لدى أولئك الذين يظنون أن الحرية تعني حقك في أن تفعل أي شيء تريد أيا كان. الحرية لها ضوابط وقيود أخلاقية وعملية. وينبغي ألا يغيب عن بالنا أنه لا يمكن ممارسة الحرية وجني ثمارها، ما لم نلتزم بمعناها الحق وبقيمها الحقيقية. إننا لا نستطيع أن نطالب بـ «تحرير« الشجرة من التربة التي تنمو فيها وتتغدى منها. وبنفس المعنى، لا يمكن لنا أن نطالب بـ «تحرير« الإنسان من الالتزام بالقانون والنظام العام.
أنور عبدالرحمن