التاريخ العربي كُتب تحت مظلة الخليفة، والإمام والملك المنتصر، ولم يُكتب من أجل الأمة والشعب، ولذلك جاء مشوّشاً حرّكته نوازع القبيلة ثم المذهب فالطائفة، وهو يعيد مكرر الخسائر بالوقت الراهن، حيث عجز العراق ولبنان عن اتفاق واضح على تشكيل حكومتيهما رغم أن الصفوة الفكرية والثقافية هي من تقود المعارضة ولا تتفق على توزيع المناصب والمهمات..

حماس، وبنجاح باهر، ساعدها وعي الشعب الفلسطيني ونزاهة الانتخابات استطاعت أن تصل إلى مراكز السلطة الرئيسية، لكنها اختارت خطها المعلن كمنظمة، ورفضت التزامات الدولة..

في إيطاليا، كأقرب انتخابات حرة، خرج رئيس حكومة مع حزبه وجاء آخر يساري بدلاً من اليميني، ولم نجد هناك متظاهرين يحرقون الإطارات ويسدون الشوارع أو يهتفون باسم السلف، ولعن الخلف، وحتى في أندونيسيا صافحت رئيسة الوزراء ميغاواتي سوكارنو خصمها وباركت فوزه، ولم تخرج المظاهرات من المساجد والمدن بل اكتفى الجميع بقبول الواقع والترحيب به رغم نسب الأمية الكبيرة بالشعب..

هذه الأمثلة تضعنا أمام أزمة العقل العربي، أي أن صاحب السلطة بمجرد التماس مع امتيازاته وسلطته، وبريق الشهرة التي تنفخها وسائل الإعلام يتحول، رغم دراساته العليا، إلى رجل بتفكير أميّ جاء من قاع المدينة، والعراق ليس الاستثناء أو الحالة النادرة، إذ أن أصحاب التجارب التاريخية في ممارسة الانتخابات صاروا يضيفون تشريعات تقيدها صلاحياتهم فقط، وتفصل على مستوى الرغبات، وليس المسار الوطني، ولذلك انطبقت عند الرأي العام مهزلة ال «99٪» للفائز، والذي لا ينافسه أصلاً أي مرشح آخر..

مأساة العراق أنه يدخل بقوائم الطوائف، وداخلها تحزبات تأتلف وتتعارض، وخلفها أنماط قبلية وقومية، قابلة للتحرك، وكل هذه المجاميع تخضع للضغط الأمريكي أولاً، ثم ضغوط الأئمة، والشيوخ وأصحاب النفوذ المبني على تراث العائلة، أو تسلسل القبيلة، وهنا كان السبب بالعجز عن تشكيل حكومة وطنية، والصراع على المناصب، قاد القاعدة الشعبية للتقاتل وهي مأساة لا يستطيع العراق التعافي منها إلا أن يتفق المتعارضون على أولويات الحزب والطائفة، أو الوطن، والمؤكد أن الأخير يقع في المراتب الدنيا لأنه لا يعني أحداً إلا بعض الشرائح فاقدة النفوذ..