زمان، كان الشغل الشاغل لأجهزة الأمن في الدول الحديثة الخارجة من تحت عباءة الانتداب والاحتلال والاستعمار السياسي والثقافي والاقتصادي منصبا على اعتقال كل من ينتمي إلى حزب أو تنظيم معارض للسلطة، وروايات الاعتقالات العشوائية تتداولها الذاكرة الشعبية في البلاد التي واجهت دكتاتورية الفرد أو الحزب الواحد الذي وهبته السماء للشعب المقهور.

وسجل أدباء ومفكرو مرحلة الصراع الوقائع في أدبياتهم ابتداء من جمهوريات «الموز» وانتهاء بمدن «الملح»، وما بينهما كانت سيادة حكم الإلحاد الشيوعي في نصف الكرة الأرضية.

والتي استمرت تحكم بالحديد والنار والإخفاء والإقصاء و«التذويب» لأكثر من 70 عاما، وفجأة، ومثل الفقاعة الناتجة عن زبد البحر أو الصابون، اختفت حقبة من حقب إذلال البشرية وعبوديتهم وكأنها لم تكن.

واليوم، يختلف الوضع عن العهد السابق، نحن في شغل يشغل كل الحواس بحثا عن شهادة حسن سير وسلوك، الكل، العالم بأسره بشرقه وغربه.

وبكل صنوف فكره، وباختلاف عقائده ومذاهبه، لا مانع اليوم من أن يكون الشخص شيوعيا، أو زنديقا، بل يفضل له ذلك، وقد يصم نفسه بكل الصفات والأوصاف السيئة إلا صفة واحدة، هو لا يريد أن تلحق به، حتى لا يخطف ويرحل في طائرة سرية إلى معتقل غير محدد على الخريطة.

أو يزج به في «غوانتانامو» غير مأسوف على شبابه وحقوقه إلى درجة أن دولته تصم آذانها وتلجم لسانها حتى لا يقال إنها تسأل عن «الإرهابي»، فهذه الكلمة تكفي اليوم أي متكبر متغطرس يريد أن ينفرد بزعامة أو قيادة في بلاده أو العالم، تكفي أن تقول الأم إنها لم تلد وليدها.

وتكفي لأن تصدر القبيلة صك براءة من ذلك الذي يحمل اسمها، وتكفي لأن يرى العالم دمه مسالا في طريق أو منزل مهدم فيقسم بأنه ليس احمر اللون، ويكفي لأن تمتد الأيادي «الخيرة» لتسحب كسرة الخبز من فمه ليموت جوعا مع التضرع شكرا لخلاص العالم منه.

تغيرت أساليب المواجهة والتصفية بناء على مقتضيات الزمان ومتطلباته، سقط جدار فاصل بني من الأسمنت والحديد، وبنيت جدران لا ترى ولا تلمس ولكنها اشد قسوة لأنها تمزق داخل النفس.

وتشق القلب، هذا إذا كان علماؤهم قادرين على قراءة ما بداخل القلب إذا شق ليعرفوا من يكون صاحبه، فهم قد اختاروا الطريق الأسهل، طريق الاتهام بإشارة من إصبع حاقد أو عميل متسلق يبحث عن مصلحة وسط سيل الملايين المتطايرة لمكافأة المرشدين.

myousef_1@yahoo.com