شهد البيت الأبيض في الأيام القليلة الماضية عملية غربلة ملفتة، في صفوف كبار معاوني ومستشاري الرئيس بوش. وقد أصابت أسماء مقرَّبة جداً منه، كان من المستبعد أن يطالها التغيير أو التبديل.

أصحابها كانوا من أركان إدارته. من بينهم اندرو كارد، كبير مسؤولي البيت الأبيض وهو مفتاح الوصول إلى الرئيس ويده اليمنى؛ سكوت ماكليلان المتحدث الرسمي باسم الرئاسة.

ومن المنتظر أن يلحق بهم جان سنو، وزير المالية. رافقت ذلك حركة تشكيلات شملت مدير مكتب الموازنة ومناصب أخرى، من المتوقع أن يُضاف إليها كارل روف المخطط الاستراتيجي للرئيس والمؤتمن الأول لأسراره، وعدد ملحوظ من جهاز البيت الأبيض.

حركة الاستقالات وتبادل المواقع هذه، جرت على خلفية هبوط رصيد الرئيس بوش إلى أدنى المستويات، التي نادراً ما سجلها تاريخ أسلافه. والسبب، تقول أوساطه ومصادره، يعود إلى تعثر السياسات الداخلية وضعف أداء بعض المسؤولين الذين أصابتهم عملية التغيير.

لكن ليس هناك من لا يعرف بأن ضمور شعبية الرئيس تعود، في الشق الأكبر منها، إلى سياساته الخارجية، وبالتحديد العراقية، بل إن عدداً من الذين تركوا مناصبهم، مثل المتحدث الرسمي، كانوا كبش الفداء لقضايا متصلة مباشرة بحرب العراق، كانت قد تفاعلت داخلياً بصورة تسببت بإحراجات للإدارة وبأذى للرئيس بوش ـ مثل قضية السفير ويلسون وزوجته المسؤولة السرّية في وكالة الاستخبارات المركزية.

التجديد في تركيبة الإدارة ليس مسألة غير اعتيادية، عرفتها كل الإدارات السابقة، خاصة عندما لا تكون الأمور على ما يرام. أحياناً يصاحبها إعادة نظر وتوجهات مختلفة في السياسات، وأحياناً أخرى تحصل بنيّة تحميل المسؤولية للأشخاص وليس للسياسة المعتمدة، تحت ستار أنها عملية تصحيح للأداء؛ الذي لم يكن عند حسن الظن.

وهذا ما ينطبق تماماً على الحالة الراهنة. وإلا لكان جرى الاستغناء عن وزير الدفاع رامسفيلد المؤتمن على تنفيذ السياسة المسؤولة عن التورُّط في العراق. تركه ورفض كل المطالبات، في الكونغرس والإعلام، بالتخلي عنه بل تمسك الرئيس بوش وبقوة ببقائه، لا يعني سوى التمسك بالتوجهات والطروحات التي تتبناها الإدارة، بل التشبث بها.

وسيد البيت الأبيض لا يخفي ذلك. أكثر من ذلك، هو يصرّ على أنها كانت سياسة صائبة ويتباهى بها. علماً بأن النزف في الوضع العراقي بلغ حداً ينذر بكوارث مخيفة ومرعبة. الكابوس الأمني صار جزءاً من واقع الحال، الفراغ السياسي يعزِّز من توسيع الفجوة ويصبّ في تكريس التعايش مع محنة معروفة نهاياتها.

فالاحتلال رسم ووضع البدايات لما آلت إليه الأوضاع اليوم، والإدارة ترفض تحديد أية جدولة للانسحاب، بل هي تواصل الزعم بأن العراق يسير حثيثاً نحو «الديمقراطية»، فيما استعصى أمر تشكيل حكومة مقبولة من مختلف القوى السياسية الموجودة. وإذا كانت السياسة التي أوصلت العراق إلى ما يعاني ويتخبط به هي سياسة «ناجحة» ومصيبة، فما هي السياسة الفاشلة إذاً؟

لعبة الكراسي في واشنطن لا تقوى على حجب العطب الأصلي ومكانه. فهي في ما قام المستقيلون ـ المقالون بتنفيذه حسب المطلوب منهم وليس في أدائهم. وحتى مؤيدو الرئيس بوش في واشنطن يعرفون ذلك. فإذا كان فعلاً ينشد التغيير فعليه إعادة النظر بسياسته العراقية والشرق أوسطية عموماً.