يدخل الرئيس الصيني «هو جنتاو» واشنطن هذا الأسبوع كزعيم قوة عظمى لها اليد العليا على الولايات المتحدة. فأميركا باتت مدينة للصين بما قيمته 200 مليار دولار تمثل الفائض الصيني في الميزان التجاري بين الدولتين.

فالسوق الأميركية تستقبل من السلع والخدمات الصينية أكثر مما تستقبل السوق الصينية من السلع والخدمات الأميركية.

هكذا تحولت «الصين الشعبية» الماوية عندما خرجت إلى حيز الوجود من دولة متخلفة تنتشر المجاعة وسوء التغذية في أنحائها إلى قوة إقليمية.. ومن قوة إقليمية آسيوية إلى قوة عظمى تنافس الولايات المتحدة بل وتتفوق عليها.

وبينما تمثل الصين نموذجاً أمام بلدان العالم الثالث للبناء الاقتصادي المبرمج حيث سجلت أكبر معدل نمو للاقتصاد الوطني في التاريخ (13 في المئة سنوياً) فإنها قبل ذلك تمثل نموذجاً للصمود السياسي.

الثورة الاشتراكية الصينية حققت انتصارها النهائي عام 1949. ومنذ ذلك الحين ولمدى ما يقارب ربع قرن ظلت هدفاً لعداء أميركي شرس امتزجت فيه حملات دعائية مع حصار اقتصادي وعسكري. لكن الصين صمدت وقاومت إلى ان اضطرت الولايات المتحدة أخيراً للاعتراف بها رسمياً كأمر واقع. وهو اعتراف لم يخل من شروط صينية.

فالقيادة الصينية ـ ماو تسي تونغ وصحبه ـ ما كان لها أن تسمح بزيارة أول رئيس أميركي لبكين ـ ريتشارد نيكسون ـ في عام 1972 دون أن تلغي واشنطن أولاً اعترافها بتايوان التي تطلق على نفسها «الصين الوطنية».

وكانت النتيجة هي ما أراد ماو وصحبه: طرد تايوان نهائياً من عضوية الأمم المتحدة بموافقة أميركية لتأخذ الصين الشعبية مقعدها في كل في مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة.

الآن أصبحت الصين أكبر قوة داخل السوق الأميركية نفسها مما نتج عنه العجز التجاري الأميركي الأسطوري مع الصين الذي بات يناهز 200 مليار دولار قابلة للتنامي. لقد كان الإفلاس ـ ولا يزال ـ يحيق بأي دولة تسمح بدخول «استثمارات» أميركية.

فالاستثمار في هذه الحالة لا يعني سوى إجبار الدولة على عرض مؤسساتها الاقتصادية المفتاحية للخصخصة لتشتريها الشركات الأميركية بتراب الفلوس ومن ثم يتاح لها السيطرة الاستغلالية على بنية الاقتصاد الوطني بأسره.

الأمر كان مختلفاً تماماً مع الحالة الصينية لأن الاقتصاد الصيني يخضع لقبضة الدولة عن طريق التخطيط المركزي. ولذا كان التحرك الاستثماري للشركات الأميركية في الصين محكوماً بالخطط الصينية المبرمجة وبالتالي وفقاً للاحتياجات الصينية التنموية.. وليس الاحتياجات الاستهلاكية.

في الوقت نفسه أخذت الصين تغزو السوق الأميركية بمنتجات سلعية تجمع بين المتانة والانخفاض السعري عن طريق شبكة من شركات استيراد أميركية،من هنا كان الفائض الصيني والعجز الأميركي.

وللمفارقة فإنه أصبح الآن للصين «لوبي صيني» داخل الكونغرس الأميركي نفسه برعاية شبكة شركات الاستيراد الأميركية ـ وهي شبكة تقوم بإحباط أية محاولة للإدارة الأميركية نحو خفض العجز التجاري الأميركي مع الصين.