للوهلة الأولى تعامل قطاع عريض من الإسرائيليين وكثير من الفلسطينيين مع عملية تل أبيب التي وقعت يوم الاثنين الماضي وقتل وأصيب فيها عشرات الإسرائيليين على أنها تشكل منحنى خطرا في العلاقات المتأزمة دوما بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية في ظل حكمي حماس وكاديما.

لكن التفكير المختلف قد يقود إلى نتائج مغايرة لهذا الانطباع الأولى، تقوم على افتراض مفاده أن العملية من الممكن أن تكون بداية كسر الجمود المزمن على المسار التفاوضي الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

ويقوم هذا التصور على دعامتين أساسيتين، الأولى تنبني على أن قراءة معطيات الممارسات السياسية المتبادلة منذ أوسلو وحتى اللحظة الراهنة، توضح بجلاء أن إحساس الطرف الإسرائيلي بأن تماديه في الاعتداء على الفلسطينيين وهضم حقهم التاريخي، والتنصل من الاتفاقات المبرمة معهم، سيكون له ثمنه الباهظ من دماء الإسرائيليين، عسكريين ومدنيين.

ومثل هذا الوضع دفع الحكومات الإسرائيلية العادية إلى التفكير بجدية في إطلاق التفاوض مع الفلسطينيين، أملا في إنهاء هذه العمليات أو التخفيف من حدتها.

ورغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق آرييل شارون قد كسر هذه القاعدة بالانحياز إلى خيار «التصعيد المستمر» فإنه في المقابل اتخذ خطوات، وإن كانت من طرف واحد، إلا أنها بدت في نظر أغلبية الإسرائيليين تنازلات تاريخية للفلسطينيين، ومنها الانسحاب من قطاع غزة بعد تفكيك المستوطنات اليهودية هناك.

وسلك شارون على التوازي تكتيكا يقوم على توسيط مصر من أجل دفع الفصائل الفلسطينية إلى «التهدئة»، بعد أن أرهقت العمليات الاستشهادية كاهل إسرائيل.

والدعامة الثانية تتمحور حول الدور الدولي الذي طالما كانت وستظل له بصمة كبيرة على العلاقات الفلسطينية ـ الإسرائيلية أيام التفاوض والمواجهة على حد سواء.

فهذا الدور الدولي كان يحضر بشدة كلما عانت إسرائيل من وطأة الضربات الفلسطينية، بينما يتراجع، أو يغض الطرف، أو يتلكأ في أداء مهامه حين يكون الفلسطينيون هم المضغوطون تحت الهجمات الإسرائيلية المتلاحقة، خاصة تلك التي تركز على اصطياد قيادات حماس والجهاد الإسلامي وغيرهما.

وكانت الأطراف الدولية المعنية بعملية السلام، وفي مقدمتها اللجنة الرباعية، تبدو وكأنها متفهمة للاعتداءات الإسرائيلية، ولتبريرات تل أبيب ودعايتها المضادة، بل إن الحكومة الإسرائيلية نجحت أحيانا في إقناع اللجنة بأن التخلص من نشطاء حماس والجهاد وسيلة ناجعة لإعادة الهدوء والسكينة إلى المنطقة، ومن ثم فتح الباب أمام إمكانية استئناف التفاوض.

وعملية تل أبيب، التي جاءت بعد صبر طال على الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة، أظهرت أن بوسع الفلسطينيين الرد، وبقوة، وفي عقر دار إسرائيل، وأنهم لن يسمحوا لإيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد أن يبني مجدا على حساب أمنهم وسلامتهم في ظل سعيه الدائب إلى أن يبدو في نظر شعبه الرجل القوي على عكس الصورة المعتادة له، مقارنة بسلفه شارون.

وبينت العملية كذلك أن إسرائيل ستدفع ثمن تجميد التفاوض، واللجوء إلى الحلول الانفرادية الجائرة، والقفز على حقائق الواقع، ولن يحميها من دفع هذا الثمن الجدار العازل، ولا التخلص المستمر من الكوادر الفلسطينية المدربة على القتال، ولا تجاهل حكومة حماس والضغط عليها وحصارها.

ومثل هذا الوضع، خاصة إن توالت العمليات الاستشهادية وأفرطت إسرائيل في الرد العسكري عليها، سيدفع الأطراف الدولية إلى التدخل مجددا، وبذل جهد أكبر مما كانت عليه الحال في الشهور الأخيرة.

وحمل الإسرائيليين إلى فتح باب التفاوض، إن لم يكن مع حركة المقاومة الإسلامية، فمع مؤسسة الرئاسة الفلسطينية، التي لديها مثل هذه الصلاحيات، بمقتضى القانون من جهة، وبتفويض مستتر من حكومة حماس من جهة ثانية.

وإذا كانت حكومة إسرائيل تعتقد أن بوسعها تركيع الفلسطينيين تماما بتضييق الخناق عليهم وحصارهم وحرمانهم من الحصول على ضرورات الحياة، فإن الأمور قد تسير في الاتجاه المضاد، حين يبلغ اليأس مداه من الفلسطينيين.

فتتساوى عندهم كل الاحتمالات، خاصة إذا تعمق شعورهم بتخلي الجميع عنهم، ويقدمون على عمليات استشهادية مكثفة ضد إسرائيل، يصبح عندها تدخل «الرباعية» وغيرها ضرورة.

وقد يجد لينا من إسرائيل بعد أن تكون قد أيقنت أن صلفها وتعنتها لن يؤمنها طويلا، فتطلق عملية التفاوض من عقالها، حول قضايا المرحلة النهائية، التي كان الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي قد بلغاها قبل اقتحام شارون للمسجد الأقصى في سبتمبر من عام 2000.