مرة أخرى يثير الموقف من الحركات الإسلامية عاصفة من النقاش في عاصمة غربية لكنه هذه المرة يعبر الأطلنطي من الغرب إلى الشرق في سابقة هي الأولى من نوعها.

فمنذ قرر الأميركيون قبول التعامل مع حركات إسلامية عراقية في مشروعها لإطاحة النظام العراقي ،والسؤال مطروح تطرح بشأنه الدراسات والسيناريوهات المستقبلية وتطلق صيحات التحذير.

لكن ما تشهده هولندا الآن حدث هو الأول من نوعه في «القارة العجوز»، صحيح أن هناك تسريبات خلال السنوات الماضية عن حوارات أو اتصالات مع حركات إسلامية معتدلة إلا أنها المرة الأولى التي يدعو فيها تقرير رسمي إلى التفكير في الحركات الإسلامية كـ «حليف محتمل».

والجدل الذي نحن بصدده بدأ بعد صدور تقرير حكومي هولندي يدعو الاتحاد الأوروبي للنظر إلى الإسلام السياسي كحليف محتمل لدعم الديمقراطية.

القصة بدأت بتقرير قدمه المجلس العلمي للسياسات الحكومية في هولندا، حول التعامل مع الحركات الإسلامية السياسية ليثير جدلا واسعا في الأوساط الحزبية والبرلمانية والإعلامية، إذ طالب أعضاء في البرلمان من مجموعات حزبية مختلفة بعقد ندوة عاجلة لمناقشته .

ومن بين المطالبين بمناقشة التقرير أعضاء من حزب الشعب من أجل الديمقراطية والحرية اليميني، الذي تنتمي إليه النائبة الصومالية الأصل هيرسي علي التي شاركت في تنفيذ فيلم «الخضوع» الذي تناول وضع المرأة في الدول الإسلامية، وأثار عرضه غضب الجاليات المسلمة واغتيل مخرجه العام قبل الماضي، إلى جانب أحزاب يمينية أخرى.

ما أثار هذا الجدل أن التقرير الحكومي يطالب السلطات الهولندية بالعمل على تأسيس علاقات مع ذوي التوجهات الديمقراطية في الحركات الإسلامية السياسية على أساس أن مناخ الخوف والشكوك بين العالم الإسلامي والغرب أسهم في تشويه رؤية كل منهما للآخر.

وفي هذا المناخ يتم وضع الحركات الإسلامية السياسية في سلة واحدة مع الأصوليين المتشددين الذين يستخدمون العنف ويعادون الديمقراطية. وبالتالي فإن التقرير دعوة لإعادة التصنيف.

ومن ثم إعادة النظر ،فالفصل بين الإسلام المعتدل والإسلام المتشدد كان لعقود موضع خلاف بين الدبلوماسية الأوروبية من جهة ودبلوماسية الحليفين الإنجلوسكسونيين .

ولعل هذا ما يساعد على تفسير سبب ظهور هذا التقرير غير المسبوق في هولندا البروتستنتية التي تقف في موقع وسط بين بريطانيا الأكثر قربا من أميركا وبين الموقف الفرنسي الألماني الذي ظل حتى وقت قريب يفضل خيار الاستئصال ويرفض التفرقة بين المتشددين والمعتدلين.

ويطالب التقرير بضرورة تعديل هذه الصورة، حيث يضم الإسلام السياسي في الواقع نطاقا أوسع من الرؤى والمواقف، ومن ثم فهناك بالتأكيد أصوليون يعتمدون التفسير الحرفي للقرآن ويرفضون الديمقراطية وحقوق الإنسان ولكن الحركات الإسلامية السياسية تضم أيضا حركات ومفكرين لا يرفضون غالبا تأسيس الديمقراطية وحقوق الإنسان بناء على أرضية إسلامية.

كما يتناول التقرير الإشارة إلى مسألة الشريعة الإسلامية، والتي يقول التقرير عنها إن العديد من الحركات الإسلامية السياسية تسعى إلى تطبيقها ولكن هناك قراءات مختلفة للشريعة.

هناك حقيقة مفادها إن العديد من الحركات الإسلامية النشطة مرت عبر السنين بمرحلة التحديث ومثال ذلك حركة الإخوان المسلمين في مصر في السبعينات من القرن الماضي كانت تنادي بإسقاط الدولة العلمانية بوسائل راديكالية، ولكنها اليوم مثل أي حزب سياسي حقيقي مستعد للتفاوض مع الآخرين داخل حدود النظام الديمقراطي.

الدكتور. ويندي أسبيك أحد المشاركين في وضع التقرير يؤكد أهمية تسليط الضوء على هذه الحقائق في هولندا. ففي الإعلام الهولندي نسمع الخبراء وأصحاب الرأي يتحدثون عن أن الأصولية الإسلامية هي الجوهر النقي الوحيد للإسلام رغم أن الحركات الإسلامية تظهر تنوع الإسلام السياسي وديناميكيته.

الملفت في التقرير ليس التحولات التي طرأت على الموقف الهولندي وحسب بل مفارقة مثيرة تعيد التذكير على حقيقة أن حركة التاريخ لا تخلو من مفارقات ،فإلى جانب ما اعتبره التقرير مشكلة «تصنيف» استندت الدعوة إلى تغيير الموقف من الحركات الإسلامية إلى مبرر واقعي مصدره الخطاب الرسمي العربي الذي بالغ في التركيز على ضرورة أن يأتي التغيير من الداخل،.

فالتقرير يخلص إلى ضرورة تعديل التوجهات في التعامل مع الإسلام، وان على هولندا والاتحاد الأوروبي أن يتعلما النظر إلى الحركات الإسلامية السياسية كحليف محتمل في محاولاتهم لدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم الإسلامي، فالديمقراطية لا بد أن تأتي من الداخل!

الدلالة الباقية لهذا التقرير أن أولوية التغيير الديمقراطي تكتسب كل يوم مزيدا من الأنصار في دوائر صنع القرار الغربية، فإذا كان الإسلاميون القوة المعارضة الأكثر تنظيما ،وإذا كانت فزاعة «الخارج» التي بالغت في استخدامها أطراف عديدة في النظام الرسمي العربي قد نجحت في حشد النخب الوطنية ضد كل ما يأتي من الخارج:

المطالبات، المخططات، التمويل، فإن ما لم تتوقعه هذه الأطراف أن تؤدي هذه الفزاعة إلى تغيير تاريخي في الموقف الغربي من الحركات الإسلامية من هذا النوع الدراماتيكي!

لكنه دهاء التاريخ!.