فاجأني إسماعيل هنية، ببذلته المتواضعة، وحماسته الطفولية، وبتلقائيته التي نفتقدها في وجوه الكثيرين من القادة العرب، وهو يؤكد إصراره على استمرارية حكومته المنتخبة، ثم يُردف قائلا بأنه ليس طرطوراً. كنت قد نسيت الكلمة، وانمحت معالمها من الذاكرة، رغم أننا نحيا حياة الطراطير ليل نهار في ثقافتنا العربية المعاصرة.
وعلى ما يبدو أن هنية، الذي تتهمه اسرائيل ليل نهار بالإرهاب، لم يكن طرطورا وهو بين صفوف حماس، لكنه استشعر هذه الحالة المُذلة بعد أن أصبح رئيسا للحكومة الفلسطينية المنتخبة من قبل الشعب الفلسطيني رغم أنف أميركا وإسرائيل وبعض الحكومات العربية.
وعلى ما يبدو أن البعض قد استكثر على هنية ألا يكون طرطورا، من هنا جاءت هذه الضغوط اليومية عليه من أجل منحه شرف عضوية نادي الطراطير.
وبصراحة فإنني استعجبت كيف لم يتحمل هنية أن يكون طرطوراً بعد مدة قصيرة من رئاسته للحكومة الفلسطينية المنتخبة، مع أن البعض في عالمنا العربي يعيش هذه الحالة ويمارسها منذ عقود عدة من الزمان.
تحمل كلمة طرطور على المستوى الشعبي دلالات سيئة منها الضعف والمهانة، والأخطر من ذلك التعايش مع هذه الحالة بدون الشعور بها، بل وتصور العكس منها تماما. والغريب أن الثقافة العربية الشعبية لا تستخدم الكلمة في حالة التأنيث، كأن نقول هذه المرأة طرطورة، لكنها في الغالب تستخدمها في موقع التذكير، حيث نقول إن هذا الرجل طرطور.
وان هؤلاء الرجال طراطير. ورغم عدم استخدام الكلمة لوصف المرأة، فإن الثقافة العربية الشعبية تستخدم هذه الكلمة في موقع الانتقاص من الزوج الضعيف الشخصية الذي تتحكم فيه زوجته، وتحركه كيفما تشاء، وتمرمط بكرامته الأرض. لقد استعاضت الثقافة العربية الشعبية عن كل هذه الأوصاف لحالة هذا الرجل بوصفه أنه رجل طرطور.
تنتشر ثقافة الطرطور في عالمنا العربي بشكل كبير، بدءاً من البنيات الصغرى مثل الأسرة، مروراً بمؤسسات العمل، وحتى على المستوى القومي العام.
فنحن نقابل في حياتنا العديد من الرجال الذين تقهرهم زوجاتهم ليل نهار أمام أعيننا، ونجدهم أكثر الناس حديثا عن رجولتهم، وسيطرتهم على البيت وشؤونه، بل ويصل الحال بالبعض منهم أن يدعي أن زوجته ترتعد فرائصها عندما يصل إلى البيت، وأنها لا يمكنها أن تتخذ قرارا بدون استشارته.
إضافة إلى هذه الحالة المتطرفة التي يكون المرء فيها طرطوراً ولا يشعر بذلك، هناك تلك الحالة التي يكون فيها المرء طرطورا وهو يعلم تمام العلم بذلك.
ولعل هذه الحالة هي الأكثر انتشاراً على مستوى عالمنا العربي، وعبر أغلب مؤسساته الرسمية، حيث تسلسل الطراطير يبدأ من أعلى السلم حتى أدناه. فالمرؤوس الذي يقبل تعليمات رئيسه، وهو يعلم تمام العلم بأنها في غير صالح العمل، يمارس دور الطرطور.
كما أن المرؤوس الذي يعمل تحت إمرة رئيس لا يفهم شيئا في تسيير شؤون العمل، والذي ربما تكون الواسطة والحسب والنسب والظروف الاستثنائية هي التي وضعته في منصبه هذا، يمارس دور الطرطور، وهو يعلم أنه لابديل له سوى ارتداء الطرطور بسماحة نفس ورضا يتيحان له أن يستمر في العمل تحت إمرة هذا الرئيس.
لا تقف حالة الطرطور هذه عند البنيات الصغرى فقط، لكنها تتعدى ذلك إلى مستوى العلاقات العربية بالعالم الخارجي. فبينما يمارس البعض هذه الحالة سواء في علاقته بأميركا أو إسرائيل، تجده يتحدث ليل نهار عن أن القرارات التي يتخذها تتم في ضوء المصلحة الوطنية، وفي ضوء مسؤوليته أمام مواطنيه.
ويخلق هذا الحديث ملايين الطراطير الذين يستمعون لهذه الأحاديث ليل نهار، سواء وعوا بكذبها أو لم يعوا. فحالة الشعور بكون المرء طرطوراً حالة نفسية مرهقة تحتاج من المرء لكي يريح نفسه من تبعاتها ووطأتها أن يخلق هو نفسه طراطير آخرين، يقبلون بتبعيتهم وخضوعهم له، مما يخفف من ضغط هذه الحالة بالنسبة له.
لا يعني ذلك، أن الجميع يقبل هذه الحالة الشعورية من الإذلال والامتهان، فمن حسنات عالمنا العربي، أنه مازال ينطوي على الكثيرين الذين يرفضون أن يكونوا طراطير، والذين تأبى أخلاقياتهم استيعاب هذه الحالة والتعايش معها.
وربما تمنحنا حالة إسماعيل هنية مثالا واضحا على نوعية من الرجال مازالوا يرفضون أن يلعبوا أدوار الطراطير سواء في تعاملهم مع أميركا أو في تعاملهم مع إسرائيل.
ولعل في استخدام هنية لهذه الكلمة ما يكشف عن حجم الدور الذي يريد البعض له أن يلعبه سواء من جانب بعض القوى الفلسطينية ذاتها، أو من خلال الأدوار الأميركية الإسرائيلية.
والأخطر من ذلك، هو دلالة الكلمة بالنسبة لحجم التنازلات المطلوب من هنية أن يقوم بها لكي يحظى بشرف التعامل معه من قبل القوى الدولية وإسرائيل.
تمثل الحالة الفلسطينية الراهنة المحك الرئيسي الآن لاختبار مدى التعايش مع حالة الطرطور هذه. فالبعض قد قبل بكل ما أمرت به إسرائيل وأميركا، ومازال يتحدث عن السلام وعن الدولة الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني.
والبعض الآخر مازال يطلق التصريحات عن معاناة الشعب الفلسطيني وآماله المنشودة، ويرسل المندوبين في سبيل ترضية إسرائيل واستعطافها. الغريب في الأمر أن العالم العربي لا يشهد الآن سوى التدخل العربي من أجل إرضاء إسرائيل وتأمين مصالحها، والحفاظ على أمن مواطنيها.وفي سبيل تحقيق ذلك لا بد من ارتداء الطراطير ليس فقط على مستوى المؤسسات الصغرى.
ولكن أيضاً على المستوى القومي العام. فالذين يمارسون لعبة الطراطير على المستويات السياسية الكبرى، في حاجة لمستويات شعبية عامة تقبل بطراطيرهم، وتسوغ لهم ما يقومون به. ولأن هنية جاء من خلال حكومة منتخبة شرعية، فإنه أبى أن يلعب دور الطرطور، كما أنه رفض أن يجعل من ناخبيه طراطير له.
كاتب مصري
salehabdelazim@hotmail.com