ملتقى الحوار الإسلامي ـ الدنماركي الذي عقد الأسبوع الماضي في أبوظبي بمبادرة من مؤسسة «طابا للدراسات الإسلامية» جاء في وقته ليقدم دعوة مفتوحة لتوضيح حقيقة الإسلام وفتح قنوات الاتصال والحوار مع الآخر.

المؤتمر جاء ليفتح باب الحوار والنقاش بين المسلمين والدنماركيين انطلاقا وإيمانا بأن في الأساس وفي الأصل، الدين الإسلامي هو دين الحوار والانفتاح والتسامح واحترام إنسانية الآخر وآدميته.

وانطلاقا كذلك من مبدأ أن الإسلام هو دين التعارف والانفتاح ودين العلم والمنطق والمعرفة. الملتقى يهدف إلى وضع حد لتداعيات الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين .

وفتح صفحة جديدة للاتفاق حول العمل المشترك لعدم تكرار الإساءات والاستفزازات والتطاول والسخرية من الأديان والأنبياء ومعتقدات الشعوب والأمم واستعمال حرية التعبير للتشهير والتجريح والقذف والإساءة للآخرين.

كما يهدف الملتقى إلى إيجاد آلية لجعل الحوار الصادق منهجا لحل المشكلات الناجمة عن الصور النمطية والجهل بحقيقة الاخر وواقعه وثقافة الإقصاء والتهميش.

كما يناقش الملتقى إمكانيات ووسائل تفعيل مستوى الاهتمام بالمسلمين وبالديانة الإسلامية في الغرب من أجل المساهمة الفعالة لهذه الفئة في جميع مناحي الحياة في المجتمعات الأوروبية.

الهدف إذن هو تقديم الصورة الحقيقية للإسلام للعالم بأسره والكلام عن سماحة هذا الدين وضرورة التفاعل الإيجابي بين الحضارات والثقافات والديانات. من القضايا التي ناقشها المؤتمر «حرية التعبير واستقرار المجتمع العام» و«التقديس:

ثمرة لحرية البحث وليس مصادرة لها» و«حرية التعبير والتكامل»، «صدام الحضارات والحوار بين الثقافات» و«وسائل الإعلام: جزء من المشكلة أم جزء من الحل». المؤتمر جاء كذلك لإعطاء فرصة للشباب الدنماركيين للتعرف عن قرب عن واقع الإسلام والمسلمين والتعرف على العادات الإسلامية السمحة.

الصراع بين التشويه والتضليل والتلاعب بمعتقد ودين الآخر والحقيقة والواقع ليس وليد البارحة، والمسلمون مع الأسف الشديد لم يتعلموا الدرس. فالإساءة إلى الإسلام والمسلمين والعرب تمت وتتم بطريقة منسقة ومنظمة من خلال ما يبث ويذاع.

وينشر في العالم من خلال المنتجات الإعلامية والصناعات الثقافية حيث جسدتها وكرستها الأفلام والمسلسلات والأخبار والتقارير اليومية والدراسات والتحليلات والتعليقات وحتى الكتب المدرسية. فالأمر إذن يجب أن يدرس بمنجية وبرؤية وباستراتيجية.

وأحسن سبيل لذلك هو الحوار والتفاهم وتنوير الأخر بما يجهل ولا يعلم. محاورة الأخر وإقناعه وتبصيره بحقيقة الأمر بحاجة إلى خطة منهجية منظمة ومستمرة لعمل طويل المدى بهدف التواصل والحوار مع الآخر من خلال الفكر والعلم والمنطق والتاريخ والأدلة والحجج والبراهين.

فأحسن طريقة للرد على الصور النمطية والتشويه والتضليل والتلاعب هو إعطاء البديل وإعطاء الدليل القاطع وتوفير المعلومة حتى تتم عملية القضاء على الإشاعة وتصحيح المغالطات والتشويه والتحريف.

وهنا يأتي دور الإعلام وهنا نتساءل: ما هو دور وسائل الإعلام في مثل هذه القضايا أهو التشويه والتضليل وخلق المشكلات والصور النمطية أم من المفروض أن تلعب وسائل الإعلام دورا حضاريا مبني على الالتزام والأخلاق من أجل خدمة القيم الإنسانية والأمن والاستقرار والتفاهم والمحبة في أرجاء المعمورة.

فالصراع الموجود حاليا بين الغرب والشرق وبين الشمال والجنوب وبين الديانات وبين الثقافات ما هو في حقيقة الأمر سوى صراع مفتعل. الصراع هو صراع دلالات، صراع معان، صراع نوايا أما الحضارات فيجب أن تتكامل وتتناغم وتتوافق من أجل مصلحة الإنسانية جمعاء.

الصراع الموجود سببه الالتباس والتشويه والتضليل وسببه هو عدم فهم الاخر أو انعدام النية لفهم الاخر. فإذا كان هناك حوار ونقاش وتواصل واتصال فهذا يؤدي لا محالة لفهم الاخر ومحاورته والاستفادة منه وإفادته.

مع الأسف الشديد قنوات الاتصال والتواصل والتفاهم غير موجودة وغير قائمة أساسا بين الشعوب لسبب واحد وهو أن هذه القنوات إضافة إلى الصناعات الإعلامية والصناعات الثقافية تسيطر عليها آليات وميكانيزمات تنبذ الحوار والنقاش ومحاولة فهم الاخر ومحاولة فهم الدلالات والمعاني.

يجد العالم العربي والإسلامي بمؤسساته الإعلامية والعلمية والفكرية والثقافية وبرجال دينه ودعاته نفسه أمام تحديات جسام ورهانات كبيرة جدا، لأن عمليات الإساءة والتشويه والتضليل والتلاعب لا ولن تتوقف، لأنها أصبحت بكل بساطة جزءا لا يتجزأ من الصناعة الإعلامية والثقافية الغربية.

وهذا ما يعني أن الصناعة الإعلامية والثقافية العربية والإسلامية يجب أن تتبنى استراتيجية دائمة ومستمرة ومنظمة في تقديم الصورة الحقيقية للإسلام وللحضارة الإسلامية العربية.

التحدي كبير ولا يجب أن تتوقف المساعي الحميدة من ملتقيات وندوات ومؤتمرات ليس في العالم العربي فقط وإنما في جميع أنحاء العالم. الموضوع بحاجة إلى فعل منهجي وعلمي واستراتيجي مبني على المنطق والحجج والبراهين وبلغة الآخر ولغة العصر.

فالأمة الإسلامية، وأكثر من أي وقت مضى، مطالبة بأن لا تتوقف عن عملية تعريف الآخر بالمصطفى عليه السلام وبالأنبياء والرسل وبالدين الحنيف وبالقرآن الكريم ومعانيه وعبره وأحكامه.

كما من واجب الأمة الإسلامية كذلك نشر الرسالة والدعوة وتاريخ الحضارة العربية الإسلامية وعالمية الدين الإسلامي ومحاسنه ونعمه على البشر والإنسانية جمعاء.

في عصر العولمة والمجتمع الرقمي يتوجب على المسلمين أن يضاعفوا مجهوداتهم ومساعيهم من أجل تجنيد وتسخير وسائل صناعة الرأي العام ـ وسائل الإعلام ـ لتلعب دورا إيجابيا بنّاء وليس دورا سلبيا هداما والذي يتمثل في نشر الصور النمطية ورسائل الحقد والكراهية والضغينة والمكائد للآخر.

وسائل الإعلام العالمية يجب أن تسخر ويجب أن تكون مسئولة وملتزمة بخدمة الإنسانية جمعاء ومسؤولة عن نشر الأمن والأمان والطمأنينة والتفاهم بين شعوب وأمم ودول العالم. ما نلاحظه في أيامنا هذه هو أن بعض وسائل الإعلام أصبحت وسائل ووسائط لتلويث المحيط الفكري والثقافي على المستوى المحلي والدولي.

وبدلا من تلطيف الأجواء وبسط قنوات التفاهم والتواصل والتسامح والتعارف من أجل مصلحة الإنسانية جمعاء، نلاحظ أن بعض وسائل الإعلام تكب الزيت على النار ونجدها في خدمة حفنة من أباطرة المال والسياسة، حفنة لا يهما سوى الفتن والحروب والصراعات من أجل بيع الأسلحة واستغلال وابتزاز الشعوب التي لا حول ولا قوة لها.

أستاذ الإعلام ـ جامعة الشارقة