إن فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات التشريعية يوم 25 يناير 2006م وتسلمها مقاليد الحكم في فلسطين كان فوزاً تاريخياً بكل المقاييس ليس لأن حماس كانت الفائز الحاسم في هذه الانتخابات فقط ولكن لأن الفوز جاء عبر عملية سياسية ديمقراطية وشفافة أشاد العالم بها.
من جهة، ولأن حركة فتح التي قادت السلطة الوطنية الفلسطينية منذ تأسيسها عام 1994 وكانت المؤسس للنظام السياسي الديمقراطي قبلت الهزيمة السياسية ووافقت على التنحي جانباً للسماح لحماس بقيادة الشعب الفلسطيني في المرحلة المقبلة، من جهة أخرى.
بالتالي فإن هذه الروح الديمقراطية في تبادل الحكم السياسي بين الطرفين الفلسطينيين الأساسيين بدعم ومشاركة كافة الأحزاب والفصائل السياسية الأخرى في فلسطين شكلت سابقة سياسية في العالم العربي وقدمت أنموذجاً يحتذى به لبناء نظام سياسي تستطيع من خلاله الشعوب العربية اختيار الحزب السياسي التي تراه مناسباً، بغض النظر عن انتماءاته السياسية والإيديولوجية.
وهنا نتساءل بموضوعية وعقلانية: ألم يكن فوز حماس بأسلوب ديمقراطي كما طالب به العالم بأسره لحظة تاريخية في مسار القضية الفلسطينية تستحق الدعم السياسي والمادي والدبلوماسي؟ وأين الفرصة التي يستحقها أي حزب سياسي منتصر عبر عملية ديمقراطية لإثبات قدرته على التعاطي مع القضايا المختلفة لا سيما حين يبدي هذا الحزب براغاماتية سياسية كما هو الأمر بالنسبة لحماس؟
لقد طالبت دول الغرب والولايات المتحدة السلطة الوطنية الفلسطينية باتباع كل الوسائل الديمقراطية بل وضغطت عليها في مراحل عديدة بتبني نظام سياسي ومالي شفاف وباحترام حقوق الإنسان ودعم المنظمات الأهلية وبناء مجتمع مدني حديث كشرط أساسي لتقديم الدعم السياسي والمالي والاقتصادي.
بل أكثر من ذلك، مارست هذه الدول ضغوطاً عديدة على القيادة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس قبل الانتخابات التشريعية الأخيرة لتسريع إجراء انتخابات حرة ونزيهة لانتخاب ممثلين شرعيين من قبل الشعب الفلسطيني.
وعندما أعلنت إسرائيل رفضها بالسماح للمقدسيين المشاركة في الانتخابات سارعت واشنطن وعواصم غربية أخرى للضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون وحكومته من أجل السماح للمقدسيين بالمشاركة في الانتخابات الأخيرة.
إن قيام حكومة فلسطينية بقيادة حماس يمثل لحظة تاريخية يلزم النظامين العربي والدولي أن يتعامل معها بجدية بالغة وأن يستثمر هذه اللحظة بأمانة وجدية يوازي أهمية القضية الفلسطينية ومراحل تطورها على أساس الحرص الحقيقي بأهمية إيجاد الحل العادل الذي يخدم مصالح جميع الأطراف في الشرق الأوسط.
لم تعد أسطورة إسرائيل الدولة الديمقراطيةس الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط مقبولة بعد الأداء السياسي الفلسطيني الأخير في الانتخابات التشريعية، وهي الأسطورة التي كانت تتذرع بصعوبة التعامل مع الملف الفلسطيني من منطلق الخوف من قيام كيان سياسي فلسطيني ديكتاتوري إلى جانب الكيان الإسرائيلي يهدد وجوده وبقاءه.
ولكن الذي حدث أن هذا الكيان الفلسطيني الناشئ الذي يسمى السلطة الفلسطينية فاجأ الجميع وخاصة إسرائيل وقبل بنظام ديمقراطي وشفاف وهو لا يزال يعاني وشعبه المناضل ظلم الاحتلال الاستيطاني والسياسات الإسرائيلية العنصرية.
إن النظامين العربي والدولي ملزمان بالوقوف أمام هذه اللحظة التاريخية من زاوية أنها تمثل نقطة حقيقية وجادة للانطلاق نحو حلحلة العقد المزمنة في الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي.
والمتمثلة في ثلاث قضايا رئيسية هي: قضية إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي التي احتلت عام 1967وهي قضية سياسية بامتياز؛ وقضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة والتعويض وهي قضية حقوقية بامتياز؛ وقضية القدس عاصمة الدولة الفلسطينية التي قضية عربية وإسلامية متصلة بالهوية والعقيدة وهي قضية مبدئية بامتياز.
وهذه القضايا تجسدت في المبادرة العربية التي قبلتها جميع الدول العربية في بيروت عام 2002 التي مثلت خيار النظام العربي للوصول إلى حل سياسي شامل ينهي الصراع القائم ويفتح الآفاق نحو استقرار شامل في منطقة الشرق الأوسط.
علماً أن حركة حماس ومن بعدها حكومة حماس مازالت تتحفظ على المبادرة العربية بسبب موقفهما المبدئي تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1948، وهذا يضيف قضية رابعة خاصة بحماس تحتاج إلى معالجة سريعة لا سيما وأن حركة فتح وباقي الفصائل الوطنية في فلسطين تجاوزت هذا الأمر عندما اعترفت بدولة إسرائيل.
ولذلك يتحتم على الدول العربية أن تختار بين القبول بمساعي إسرائيل والغرب في إفشال وإسقاط حكومة حماس من خلال الحصار المادي والسياسي والدبلوماسي على الشعب الفلسطيني، وهذا قطعاً لا يصب في مصلحة العرب أوالفلسطينيين.
أو أن تعمل الدول العربية بقوة وسرعة على خلق الحل والآلية المناسبين لمساعدة حكومة حماس وسائر القوى الفلسطينية للوصول إلى بر الأمان في هذه المرحلة الصعبة والمعقدة.
قد يكمن الحل بخصوص موقف حركة وحكومة حماس المبدئي تجاه الأراضي المحتلة عام 1948 في إصدار فتوى من قبل الفقهاء الشرعيين في العالم الإسلامي تنص على إمكانية القبول بما أجمعت عليه الدول العربية تجاه الحل المرحلي المتاح سياسياً في ظل موازين القوى الدولية.
وهذا الأمر في حال حدوثه سيمكن حكومة حماس بالتحرك سياسياً نحو الحل الواقعي لقضية فلسطين وهو الحل الأدنى الذي أجمعت عليه جميع القوى السياسية الفلسطينية على قاعدة القرارات الدولية والمبادرات العربية المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن منظمة المؤتمر الإسلامي مؤهلة للعب بدور فاعل في هذا الخصوص من منطلق تمثيلها لجميع الدول العربية والإسلامية. أما بخصوص قضية اللاجئين فبإمكان القيادة الفلسطينية والدول العربية التعاطي مع هذا الأمر المعقد جداً بالتقدم لإيجاد صيغة لتفعيل تمثيل جميع اللاجئين في فلسطين وأقطار الشتات المختلفة تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية عن طريق إجراء انتخابات للاجئين لاختيار مندوبيهم في المجلس الوطني الفلسطيني.
هؤلاء المندوبين سيكون بمقدورهم مساعدة السياسيين الفلسطينيين والعرب في التوصل إلى حل سياسي يقبل به الشعب الفلسطيني. إن الشعب الفلسطيني والشعوب العربية بأسرها تأمل وتتوقع من الدول العربية تقديم الدعم السياسي والمادي للحكومة الفلسطينية أياً كان انتماءها وخاصة إذا كانت منتخبة ديمقراطياً.
كما يرجى من العالم الحر أن يعيد النظر بمواقفه السياسية تجاه الشعب الفلسطيني وقياداته المنتخبة لا سيما وأنه دعم الإسرائيليين عندما انتخبوا اليمنيين المتشددين الذين رفضوا كل الاتفاقات المبرمة بين إسرائيل والفلسطينيين ولا يزالون يرفضون مبادئ السلام على قاعدة أن هؤلاء تم انتخابهم ديمقراطياً.
وعليه ليس من مصلحة أحد إفشال الحكومة الفلسطينية الحالية أو أي حكومة أخرى لأن الفشل في إرساء السلام على أرض فلسطين حتى الآن لم يكن في أي يوم من الأيام مسؤولية فتح أو حماس أو هذه الحكومة أو تلك.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com
