يبدو الوضع العراقي كشاحنة، على ظهرها حمولة تفوق طاقتها، وهي تندفع نزولاً بسرعة، فيما يرفض سائقها استخدام الكوابح ـ ربما لأنه جرى تعطيلها؟ ـ أو القيام بأية حركة لتغيير وجهة سيرها، إذا كان يعرف النهاية ومع ذلك هو يصر على المضي في طريقه بهذه الحالة فتلك مصيبة، وإذا كان لا يدرك النهاية ولا يريد أن يعرفها، فالمصيبة أعظم.
وما جرى في الأعظمية ليس سوى رأس جبل جليد الكارثة، فهو المؤشر، بل الإنذار، بأن الآتي أعظم، إذا ما بقيت الأمور على حالها من دون أن تشهد أية محاولات جادة للاستدراك.
حتى اللحظة ليس في الساحة شيء من هذا النوع، على العكس، ما يجري، على الأرض يصب في تزخيم التردي ومفاقمته، بل في شحنه بالمزيد من عوامل التعقيد والتفجير. وهذه المرة شهد التفجير نقلة نوعية أقرب إلى بداية الحريق السريع الانتشار، فعندما ينتقل العنف من دائرة الكمين والسيارة المفخخة والعمليات الانتحارية، إلى دائرة الهجوم على أحياء سكنية.
يتواصل الاشتباك فيها لمدة ساعات، عندئذ تكون المخاوف من الحرب الأهلية ـ التي تحدث عنها أكثر من مرجع أو مسؤول عراقي ـ قد انتقلت من باب الاحتمال إلى باب الواقع، ويكون قتالها قد تطور من حالة العمليات بالمفرق إلى طور قتال الجبهات المفتوح.
ما جرى في منطقة الأعظمية ببغداد، على امتداد يومين، يندرج في هذه الخانة، التي ينبغي أن تكون بمثابة صفارة الخطر، فلأول مرة يدور «قتال شوارع»، تدعمه «قناصة متمركزة على السطوح».
ويواكبه «استنفار» أهلي محلي للدفاع ضد مهاجمين، تردد أنهم تعمدوا ارتداء الزي العسكري ويزيد من التخوف، بل الخطر، ما ذكرته بعض التقارير من أن «الولاء الوطني للقوى الأمنية تراجع لصالح الولاء الفئوي الضيق»!
وإذا ما عرفنا ان هذه المستجدات الخطيرة قد جاءت على خلفية ما كثر الحديث عنه من عمليات تطهير وترحيل قد حصلت في بعض المناطق فإن الصورة تصبح أكثر سوداوية ومدعاة للقلق.
لاسيما وان مثل هذه الأمور متداولة سيرتها على نطاق واسع في وسائل الإعلام مع كل ما يترتب على ذلك من اشاعة لأجواء الذعر والاستقطاب الفئوي البغيض والذي وصل إلى حد ان «أبناء مناطق معينة يخفون هوياتهم لتلافي المضايقات» على الحواجز!
غني عن القول ان هذا التدهور المريع لم يأت من فراغ. هو تحصيل حاصل لنهج جرى ترسيخه وتثبيت قواعده، بدءاً من الخطاب السياسي المسكون بالفئوية والطائفية وانتهاء بالتركيبة ومروراً بمبدأ المحاصصة المفصلة على مقاسات المذاهب والأعراق.
وما كان يمكن ان يعيد للمعادلة بعض التوازن والاستقرار أو على الأقل، تبرير التناقضات وضبطها ولو لفترة، غرق هو الآخر في لعبة السلطة والنفوذ، بحيث تحول إلى أزمة مستعصية بحاجة إلى من ينتشله من مستنقعها.
فأزمة تشكيل الحكومة بلغت حد المأزق الذي راح يغذي الحالة الطائفية السائدة ويؤجج من صراعاتها التي لا يشكل القتال الأهلي في الاعظمية سوى البداية لحلقة دموية جديدة تهدد بانتشار عدواها في ارجاء العراق. فماذا ينتظر المتنافسون على الحقائب كي يتحركوا؟ هل ينتظرون حريق البلد؟