يخطئ كثيرا من يخامره الشك في ان ميزان العدل الدولي مختل، اختلالا هيكليا، ولا مجال لترقب لحظة امل في ظل استمرار المنظومة الحالية، واليات إدارة النزاعات والأزمات، التي تجعل صناع الازمة قائمين على حلها، أو تضع الجناة ومجرمي الحرب على منصة القضاء، ومن نافلة القول التذكير بان احد اهم اسباب هذه الحال المزرية، هو انفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم، بعد الانهيار الدرامي للاتحاد السوفييتي، ودخولنا في مرحلة انتقالية قد تطول لحين بروز نظام دولي جديد متعدد الاقطاب، تبدو ملامحه الان ضبابية، بحكم الولادة المتعسرة للاقطاب الجديدة وفى مقدمتها الصين وألمانيا، والهند، وإيران، والاتحاد الإفريقي، والكتلة العربية ان لم نهدر الفرص المتاحة كعادتنا المزمنة.

في هذا السياق، يمكننا فهم، الاستهزاء الدولي بمعاناة العرب، واسترخاص دماء ضحاياهم الأبرياء، والافتراء الصارخ عليهم، وتصنيفهم في خانة الإرهابيين، عندما يدخلون دائرة الفعل والدفاع عن الذات، في حين يتفجر نهر التعاطف مع الارهابيين الحقيقيين من بنى صهيون، وتذرف دموع العالم من اجلهم، وفقا لقاموس الخداع الدولي، المعتمد في لغة الخطاب الإعلامي والدبلوماسي وبيانات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، في الغالب الأعم، والذي يستخدم بشكل مطلق في بيانات البيت الابيض والخارجية الاميركية واللجنة الرباعية، وكل اللجان السابقة واللاحقة، المعنية بحل الصراع العربى الإسرائيلي، حلا يوافق هوى قادة اسرائيل.

ولمزيد من التفصيل والتدقيق ، نستعرض معا بعض مفردات القاموس الدولي للخداع، وأولها كلمة الشرعية، وتعنى ببساطة ان اي عدوان اسرائيلى او اغتيال لاي فلسطينى سواء كان قيادة سياسية منتخبة او ميدانية في مجال المقاومة، هو عمل مقبول ومبرر من وجهة نظر الشرعية الدولية، حتى لو جاء في صورة مجزرة جماعية، او راح ضحيته شيخ قعيد مثل الراحل احمد يسين، او طفلة بريئة مثل هديل، او محمد الدرة.

ونقيض الشرعية، في هذا القاموس التضليلي، الخروج عليها او انتهاكها، عبر أعمال إرهابية، ويدخل تحته كل فعل فلسطينى مقاوم دفاعا عن الذات، اي ان الاسرائيلى من حقه الاعتداء باي صورة، اما الفلسطيني فعندما يرد فهو المعتدي والارهابى الخارج على الشرعية.

يظهر هذ الخداع جليا في سرعة انعقاد مجلس الامن مساء الاثنين بعد ساعات من عملية تل أبيب، عندما فجر شاب فلسطينى نفسه انتقاما بعد ان تكررت الهجمات الاسرائيلية يوميا ، واستباحت القوات الخاصةوفرق الا غتيالات الاراضى الفلسطينية، تغتال وتعتقل من تشاء، وتدمر كل اشكال الحياة، فضلا عن الحصار الخانق، على حواجز الموت، ومصادرة الأموال الفلسطينية بمعدل 50 مليون دولار شهريا من حصيلة الجمارك والضرائب، وهو سلوك يجسد اسلوب قطاع الطرق وليس الدولة الارهابية المارقة، التي للأسف تضامن معها المجتمع الغربى بقطع مساعدات اميركا والاتحاد الأوروبي، والهدف إشاعة الفوضى واسقاط الحكومة المنتخبة من حركة المقاومة الاسلامية حماس، لان الكل يعلم ان هناك 150 الف موظف لم يحصلوا على رواتبهم ، بينهم 73 الف رجل امن ، سيدفعهم الجوع إلى التمرد وإشاعة الفوضى، وهكذا يقدم لنا الغرب درسا في الديمقراطية(المنبوذة).

عندما يدخل أيضا في قاموس الخداع، التنديد بالاعتداء على ارواح المدنيين، واعتباره عملا إرهابيا، فقط عندما تكون الضحية إسرائيلية، اما عندما تكون عربية فحياتها لا تستحق البكاء، بل الاشادة بقاتلها لانها ربما تكون بذرة إرهابية، فخلال اسبوع واحد اغتالت اسرائيل اكثر من 20 فلسطينيا، بينهم أطفال، ولم يصدر بيان ادانة دولي، وعندما اجتمع مجلس الامن بعد تباطؤ، لم يصدر عنه موقف واضح، لكن عندما وقعت حادثة تل ابيب، عقد الاجتماع على عجل، وكان بيان الادانة جاهزا ومعدا مسبقا لولا رفض بعض الدول التي لم تفقد ضميرها بعد.

قاموس الخداع متخم بمفرداته المدمرة لمعاني العدل، ويقدم غطاء للارهاب الإسرائيلي، الذي يعد الان احدث جرائمه على الملأ، للقضاء على التجربة الديمقراطية الفلسطينية، باسم محاربة الإرهاب، مثلما حدث مع حصار ياسر عرفات في المقاطعة، خلال عملية حقل الأشواك، ولهذا لن نستغرب عندما يتصدرصحيفة يديعوت احرونوت العبرية يوم اغتيال الطفلة الفلسطينية هديل، قصة عن الكلبة» نيللي« التي نفقت في كيبوتز »زيكيم« ذعرا من أصوات التفجيرات، فهذه نتيجة طبيعية لشيوع الخداع والنفاق الدولي، مع ذلك مازال بيننا كثيرون من المخدوعين، الذين تجود ألسنتهم بإدانة أبناء وطنهم طمعا في إشادة المعتدي بعمق ايمانهم بسلامه الفتاك.

سيد زهران