عملية تل أبيب التي وقعت أول من أمس لا تمثل تدشينا لفصل جديد من العنف لأن دورته لم تنقطع أصلا منذ سنوات، بقدر ما هي عملية تنفيس لحالة الاحتقان المتراكم داخل الأراضي المحتلة، والذي بلغ ذروته بعد وصول حركة حماس للسلطة والحرب غير المبررة التي تتعرض لها منذ أيامها الأولى.
إن سلطات الاحتلال تعتبر هي المسؤول الرئيس عما جرى وما سيجري لاحقا من عمليات، لأنها ظلت على الدوام تغذي موجات الغضب وترعى بذور العنف من خلال سياسات التضييق على الشعب الفلسطيني واجتياح القرى والبلدات واستهداف قياداته.
والأدهى والأمر أن هذه السياسة المكشوفة تجد لها سندا وشرعية من مواقف الغرب الأخيرة بزعامة الولايات المتحدة والتي أحكمت الخناق على الفلسطينيين من خلال الضغط الاقتصادي وقطع الإعانات وتحريض المؤسسات الخيرية على وقف أعمالها في فلسطين. بل إن يد التضييق امتدت لطلب استيضاحات من الدول المانحة التي أعلنت عن تقديم أموال للسلطة الفلسطينية.
ماذا كان العالم ينتظر غير هذا النوع من رد الفعل العنيف من شعب يعيش في سجن كبير أغلقت في وجهه كل سبل العيش ومورست بحقه أبشع عمليات التنكيل لكسر إرادته وإذلاله.
بل إن الأمم المتحدة والتي تعتبر تقليديا راعية للسلم والأمن الدوليين والتي كان ينتظر منها أن تتخذ موقفا واحدا ولو ثانويا لإنصاف الشعب الفلسطيني ودعم خياراته الديموقراطية، وقفت مكتوفة الأيدي لا تقوى على فعل شيء لأن اللوبي الذي يسيطر على مفاصلها يريدها عاجزة.
ما يجري الآن بحق الفلسطينيين يعتبر بحق وصمة عار على جبين الإنسانية لأنها فشلت في القضاء على آخر معاقل العنصرية في العالم، ووقفت تتفرج على شعب أعزل ومحروم وهو يسحق بين مطرقة الغرب وسندان الاحتلال. وستحفظ ذاكرة التاريخ للأجيال أن العالم الحر حارب بشراسة حكومة شرعية ومنتخبة ديموقراطيا معاقبة لشعب على "اختياره الخطأ" حسب فهمه الكسيح لمبدأ الحق في الاختيار الحر.