عندما التقى الرئيسان فلاديمير بوتين وجورج بوش لأول مرة في يونيو 2001، كان أكبر تحد مشترك لهما يكمن في تدبر أمر تفاوت القوة بين البلدين.
كان بوش بحاجة لإقناع بوتين بأن خطط الولايات المتحدة لإلغاء معاهدة منع انتشار الصواريخ الباليستية، وإطلاق برنامج الدفاع الصاروخي ودعم الناتو لتوسيع نطاقه إلى دول الاتحاد السوفييتي السابق، لا ينبغي بالضرورة أن تلحق الضرر بالعلاقات الأميركية الروسية.
وكان بوتين بالمقابل بحاجة لإقناع الشعب الروسي بأن عدم قدرته على كسب أي شيء مقابل التنازلات التي قدمها لا تعني أن على روسيا أن تصبح قوة من الدرجة الثانية. ابتلع بوتين الحبة، وبدا أن الرئيسين يطوران علاقة وئام ممتازة.
بعد ذلك بثلاثة أشهر، جمعت هجمات 11 سبتمبر بين البيت الأبيض والكريملين معاً في مواجهة عدو إرهابي مشترك ،ووصل تعاونهما الاستراتيجي مستوى عاليا. لكن العلاقات الأميركية الروسية شهدت تدهوراً مطرداً على مدار السنوات الثلاث الماضية. ومنذ يناير الماضي تسارعت وتيرة هذا التدهور.
وكان هذا يعود جزئياً إلى أن روسيا، ثاني أكبر مصدر للنفط وأكبر مورد للغاز في العالم، استفادت من أسعار النفط المرتفعة في تحقيق أرباح إضافية هائلة وثقة جديدة بالنفس.
وأصبح بوسع بوتين الآن طمأنة شعبه بأن روسيا عادت مرة أخرى قوة كبرى يجب أن يحسب لها حساب أقوى الدول في العالم بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية.
إن قائمة التظلمات والشكاوى بين البلدين آخذة بالتنامي، والكريملين بثقته الحديثة بنفسه ليس في مزاج يسمح له بالتراجع. أولاً أوضح الكريملين انه لن يدعم أية مقاربة أميركية قاسية في التعامل مع البرنامج النووي الإيراني.
وحال وصول القضية إلى مجلس الأمن شهر مارس الماضي قام وزير الخارجية الروسي سيرجي إيفانوف بعرض خطة مقترحة للسماح لإيران بتخصيب محدود لليورانيوم من شأنه إبطاء تقدمها النووي لكن دون أن يحول في نهاية المطاف من تمكن ايران من تطوير دورة وقود نووي.
وكان هذا المقترح مفاجأة غير سارة لواشنطن التي سارعت إلى إغلاق الطريق عليه. لكن الضرر كان قد وقع. فلقد أوحت موسكو بمقترحها بأنها يمكن أن تتعايش مع إيران نووية، مقوضة بذلك بشكل مباشر الموقف التفاوضي الأميركي.
بالطبع إن روسيا تحبذ عدم قيام إيران بتطوير أسلحة نووية، تماماً مثلما تودّ الصين لو تقوم كوريا الشمالية بتفكيك برنامج أسلحتها النووية، لكن حكومة بوتين أشارت بوضوح الى أنها لن تتجاهل المصالح التجارية الكبيرة لروسيا من أجل مساعدة واشنطن في إعاقة خطط إيران، خاصة وان إيران ربما تنجح في بلوغ هدفها في نهاية المطاف على أي حال.
تعتبر روسيا المورد الرئيسي للأسلحة التقليدية لإيران، وإذا غدت الجمهورية الإسلامية قوة نووية فإن الشركات الروسية ستكسب على الأغلب عقوداً لبناء مفاعلات نووية جديدة هناك، مثلما تقوم الآن باستكمال بناء المفاعل في بوشهر بتكلفة 1. 2 مليار دولار.
وأخيراً بينما تخشى العديد من الدول أن يضيف الصراع المتصاعد المزيد من الضغوط على أسعار الطاقة المرتفعة أصلاً، فإن روسيا تجني دخلاً إضافياً من هذا الارتفاع.
وفي يناير الماضي فتحت موسكو ميدان توتر آخر مع واشنطن بوقف إمدادات النفط إلى اوكرانيا على أمل الضغط على حكومة البلد الموالية للغرب.
ولم تكن هذه أول مرة تتصادم فيها موسكو مع واشنطن بسبب جمهورية سوفييتية سابقة. ففي خريف 2004 حاول بوتين مساعدة فيكتور يانكوفيتش الموالي لروسيا في اختلاس الانتخابات الرئاسية هناك من خلال التلاعب بالنتائج . وسارعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى مساعدة خصمه فيكتور يوشنكو في كسب إعادة التصويت.
حيث فاز يوشنكو ذو العقلية الإصلاحية ورفاقه في الثورة البرتقالية بالتصويت الثاني وتم إذلال بوتين علناً. لكن في الانتخابات البرلمانية الشهر الماضي عاد حزب يانكوفيتش ليفوز بأغلبية الأصوات وأصبحت أوكرانيا مجددا عامل توتير كبير للعلاقات الأميركية الروسية.
وبالحديث عن الانتخابات غير الشرعية في الجمهوريات السوفييتية السابقة، فلقد حقق رئيس روسيا البيضاء الكسندر لوكاشنكو انتصارا ساحقا في انتخابات مارس الماضي.
وبينما رحب الكريملين بالنتيجة، شجبتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي باعتبارها مزورة. ولا تزال روسيا البيضاء التي تسميها إدارة بوش (معقل الطغاة ) أقوى تحالفاً مع روسيا وأكثر اعتماداً عليها من أية جمهورية سوفييتية سابقة أخرى.
وليس هناك فرص حقيقية لحدوث ثورات جماهيرية في روسيا البيضاء على غرار ما حدث في أوكرانيا في أي وقت قريب، لكن فرض عقوبات اقتصادية أميركية وأوروبية على القيادة هناك ورغبة بوتين في تجاهل معاملة لوكاشنكو العنيفة مع المتظاهرين سوف يؤديان إلى مزيد من التوتر في علاقات واشنطن بموسكو.
وما زاد الطين بلة هو ما خلصت إليه دراسة أعدها البنتاغون في مارس الماضي من أن أجهزة الاستخبارات الروسية نقلت لصدام حسين الخطط العسكرية الأميركية قبل غزو العراق. و معظم المعلومات كانت خاطئة، والكريملين ربما لم يعلم بنوايا جواسيسه.
لكن انتقادات البنتاغون تظهر مدى الأضرار التي لحقت بالعلاقات الثنائية للبلدين منذ أن نظر بوش لأول مرة في عيني بوتين وأحس بروحه في 2001 .
وإضافة إلى ذلك فإن الاستثمارات الأميركية في روسيا ربما تتعرض قريبا لانتكاسة كبيرة. فلقد سمعنا في مارس الماضي أن بيل براودر، الرئيس التنفيذي لشركة هيرميتاج كابيتال مانيجمنت ، منع من الدخول إلى روسيا في نوفمبر الماضي لزعم السلطات الروسية بأنه يهدد أمن البلد .
ولقد صنعت هيرميتاج، التي تعتبر أكبر مستثمر أجنبي في الشركات الروسية، لنفسها أعداء في الأوساط العليا بسبب لجوئها إلى المحاكم في موسكو لتعرية ممارسات الفساد المستشرية في أوساط مجتمع الأعمال الروسي.
وتشير هذه الحادثة إلى أن الكريملين ربما يكون الآن أقل اهتماما بمغازلة المستثمرين الأجانب من اهتمامه بحماية رجال الأعمال الروس المتنفذين، بغض النظر عن تبعات هذا في الخارج. ومن الواضح أن هذا التوجه كان مبعث قلق للمستثمرين الأجانب المباشرين، وان كان لا يشكل مصدر قلق كبير للمستثمرين في المحافظ الاستثمارية الآن.
وباختصار فإن ثروة روسيا الجديدة النابعة من ارتفاع أسعار النفط وازدياد جماهيرية بوتين سمحا للكريملين باتباع سياسة خارجية أكثر ثقة وحزماً. كما أن نضوب رصيد بوش السياسي وتزايد الاعتماد الأوروبي على الطاقة الروسية يساعدان بوتين في تجاهل الانتقادات الغربية.
لا تزال واشنطن وموسكو تتعاونان في تبادل المعلومات الاستخبارية الخاصة بمكافحة الإرهاب، لأن لكل منهما مصالح مهمة جداً في ذلك. لكن المبادرات الثنائية الأوسع نطاقا- مثل تطوير الناتو وتعزيز التعاون الاقتصادي والحوار بخصوص الطاقة بين البلدين - لم تعد تحظى بالدعم لا في الكريملين ولا في البيت الأبيض.
كما أن إدارة بوش قلقة أيضاً من احتمالات قيام روسيا بتعزيز العلاقات الاستراتيجية مع الصين. ولا تزال شكوك الكريملين في النوايا الصينية قوية، لكن المسؤولين الروس يعتقدون الآن أن لديهم النفوذ الكافي لتحقيق ما يريدونه مع المفاوضين الصينيين.
وكانت صفقة الطاقة الاستراتيجية التي اتفق عليها بوتين في زيارته الأخيرة إلى بكين في مارس الماضي أكبر صفقة من نوعها إلى الآن، وبرغم أن تطبيق مثل هذه الاتفاقات يكون بطيئاً عادة.
ويحتاج إلى الاتفاق على التفاصيل في مراحل لاحقة، إلا أنه تم توليد ما يكفي من الزخم لأخذ علاقاتهما المتنامية في مجال الطاقة على محمل الجد. وعلى الأغلب فإن مكاسب الصين في هذا المجال ستترجم على شكل خسائر لليابان وواشنطن.
يبدو واضحاً بشكل متزايد أن بوتين سيتنحى عن السلطة عند انتهاء دورته الرئاسية الثانية في 2008. لكن نفوذه سيبقى. ومن المرجح أن يتولى منصباً رفيعاً في الحكومة أو حولها، ربما كرئيس تنفيذي لشركة غازبروم التي تحتكر قطاع الغاز في روسيا.
والرئيس التالي لروسيا الذي سيبقى مدينا بالفضل لبوتين وللرجال الذين رفضوا دخول بيل براودر إلى البلد، سيتمتع على الأرجح بعلاقات ودية دافئة مع الرئيس الأميركي التالي على غرار العلاقات التي بدا أن بوش وبوتين طوراها في لقائهما الأول قبل خمس سنوات. لكن تفاوت القوة ليس كما كان عليه في حينها.
خدمة لوس انجلوس تايمز
خاص لـ «البيان»