جاء فوز حركة حماس بأغلبية المقاعد في المجلس التشريعي الفلسطيني في خضم تطورات كثيرة تعيشها المنطقة العربية منذ سنين. ولذا لا يمكن فصل وصول حماس إلى سدة الحكم في فلسطين عما بدأت تعيشه الشعوب العربية منذ ربع قرن من الزمن تقريبا من تحولات في الوعي الثقافي والاجتماعي والسياسي.

وعليه، ليس من الممكن فصل ما يحدث في فلسطين الآن وما قد يحدث في المستقبل عن إطاره العربي الإقليمي والدولي. إن نجاح حماس من عدمه في إدارة شؤون الحكم وتطبيق الشعارات التي ترفعها لا بد وأن يتأثر بموقف إسرائيل من سلطة فلسطينية تسيطر عليها حماس.

وما قد تقدمه الدول العربية من دعم لتلك السلطة، وما تفعله أميركا لمحاصرتها سياسيا، وما قد يحدث في الدول العربية المجاورة، خاصة في مصر والأردن وسوريا ولبنان، وحجم التطورات المتوقعة في إيران والعراق والدول العربية الخليجية.

إن برنامج حماس القائم على الإصلاح والتغيير يعني الكثير من الأشياء، وقد لا يعني إلا القليل، إذ أن مجرد جلوس قائد من قياديي حماس على كرسي رئاسة الوزراء في رام الله أو في غزة هو في حد ذاته تغيير هام في فلسفة حماس ،وفي المرجعية السياسة في فلسطين على حد سواء، ولكنه لا يعني بالضرورة حدوث تحولات حقيقية في مسار العملية السياسية.

إن استمرار حماس في إدارة دفة الحكم دون اللجوء إلى تطبيق مبادئها على أرض الواقع من شأنه تكريس الأمر الواقع، أما إذا قررت حماس إعادة ترتيب الأوضاع السياسية والأمنية والإدارية بناء على قناعاتها المبدئية، فإن من شبه المؤكد أن تصطدم مع القوى الأخرى التي قد تجد نفسها مضطرة للمقاومة حفاظا على مصالحها وامتيازاتها الاقتصادية والسياسية.

من ناحية أخرى، في حالة قيام حماس بمحاولة تغيير الأنماط الثقافية والتربوية السائدة في المدارس والجامعات فإن من المتوقع أن تجد نفسها في معركة ثقافية مع القوى الفلسطينية ذات الميول الليبرالية المناوئة للثقافة التقليدية المحافظة.

وهذا من شأنه في حال حدوثه تعميق ما يعانيه المجتمع الفلسطيني من تشتت وتمزق إلى فئات ثقافية ـ اجتماعية ذات مصالح متباينة ومواقف فلسفية وطرق حياتية متضاربة.

وفي حالة حدوث صدامات دامية أو صراعات ثقافية ضارية، فإن رأس المال الخاص سيحاول الهروب من فلسطين بالسرعة الممكنة، تاركا وراءه بطالة وبؤسا وإحباطا يدفع في اتجاه الغليان وربما العصيان.

إن برنامج حماس السياسي، خاصة إصرارها حق ممارسة الكفاح المسلح، وموقفها الرافض لمطالب الاعتراف بإسرائيل قبول مبدأ التفاوض معها، يخدم الخطة الإسرائيلية الرامية إلى رسم حدود الدولة اليهودية بشكل يضم أكثر من 40% من مساحة الضفة الغربية إضافة إلى القدس.

وهذا يضع على عاتق حماس مسؤولية مواجهة الخطة الاسرائيلية، وهي مسؤولية كبيرة ليس باستطاعة أي نظام عربي كان القيام بها، خاصة في ظل ظروف شبيهة بالظروف التي تمر بها فلسطين.

إلى جانب ذلك، سيكون على حماس، أن تنقذ الاقتصاد الفلسطيني الذي يوشك على الانهيار، وأن توفر فرص عمالة ومصادر رزق مشروعة لمئات الآلاف من العمال العاطلين عن العمل. وفي حالة انسياق حماس خلف دعوات المنادين بأسلمة المجتمع الفلسطيني، فإن العبء سيتضاعف، لأن البيئة العامة ستكون أكثر صعوبة وتعقيدا.

وهذه أجندة معقدة ومتناقضة من حيث الأهداف، متباينة من حيث المتطلبات المادية والبشرية، ومتعارضة من حيث المسارات السياسية العقائدية.

بالرغم من أن إسرائيل ستعمل على إفشال حماس لأنه ليس من مصلحتها أن تنجح وأن تتنامى شعبيتها داخل أو خارج فلسطين، إلا أن إسرائيل قد تترك حماس وحالها بينما تقوم هي بتسريع عملية رسم الحدود وضم ما تريد ضمه من أراض فلسطينية.

إن تطورا كهذا من المؤكد أن يضع حماس في موقف حرج للغاية، ويفرض عليها الرد عسكريا، والسماح لقوى المقاومة الأخرى كالجهاد الإسلامي بشن هجمات على إسرائيل. ولما كانت سياسة إسرائيل تقوم على الردع، فإن من المتوقع أن يكون رد الفعل الإسرائيلي قاسيا يثير اشمئزاز العالم ويغذي التطرف.

وفي حال اتساع نطاق العمليات الفدائية، خاصة إذا جاء ذلك في جو من الفلتان الأمني والصراع الداخلي، فإن من الممكن أن تقوم إسرائيل باجتياح غزة وربما بإعادة احتلالها، والبدء بتصفية قيادات وكوادر حماس وغيرها من منظمات تمارس الكفاح المسلح وترفع شعاراته. وهذا من شأنه إقحام الشعب الفلسطيني في حرب أهلية مدمرة لن تنجو من تبعاتها أية دولة عربية.

من الواضح أن مثل هذا السيناريو لن يعود بالنفع على الشعب الفلسطيني، ولن يعزز حقوقه الوطنية، ولن يؤدي إلى تحسين أوضاعه المعيشية. إلا أن ذلك لا يعني أن إسرائيل ستكون هي المستفيد الأكبر منه، بل على العكس من ذلك، ستكون النتائج سلبية بالنسبة لها أيضا. المستفيد الوحيد من مثل هذا السيناريو هو التطرف على كلا الجانبين، الأحزاب الإسرائيلية الأكثر عنصرية، والمنظمات الإسلامية الأكثر تطرفا، إذ ستجد تلك الأحزاب والمنظمات المناخ المناسب للنمو والتغلغل في بنية المجتمع، وبالتالي زيادة المخاطر الأمنية في كل دول المنطقة. وهذا من شأنه زيادة تخصيب البيئة المعادية لأميركا وإسرائيل، وجعل احتمالات التوصل لحل سياسي للصراع العربي مع الكيان الصهيوني أكثر صعوبة.

بعد انسحاب إسرائيل من قطاع غزة في العام الماضي ادعى البعض، خاصة من أتباع التيار الإسلامي، أن المقاومة المسلحة للاحتلال كانت وراء ذلك الانسحاب، وأن استمرار الكفاح المسلح من شأنه تحرير فلسطين.

إلا أن الواقع والتاريخ يشير إلى غير ذلك، إذ أن إسرائيل كانت قد أعلنت عن رغبتها في التخلص من غزة منذ أواخر الثمانينات عندما طلبت من مصر العودة إلى القطاع واستلام مهام الإشراف عليه وإدارته، إلا أن مصر رفضت ذلك الاقتراح في حينه.

لذا لا بد من رؤية الانسحاب من غزة كجزء لا يتجزأ من خطة الفصل والانفصال عن الفلسطينيين، وكخطوة أولية على طريق ترسيم حدود الدولة إسرائيل تلتهم ما لا يقل عن 40% من أراضي الضفة الغربية إضافة إلى القدس.

إن التحديات التي تواجه حماس كبيرة للغاية، وإن الشعارات لن تفيد في التعامل معها، كما وأن تسارع الأحداث يتناقض مع طبيعة العقائديين بشكل عام، ويؤدي إلى تخلفهم عن المسيرة التاريخية في المدى الطويل.