التعليم هو مقياس تقدم الأمم، وهذا ما أدركته القيادة السياسية في دولة الإمارات منذ إنشائها، فأقامت صروحاً علمية كبرى أحدثت نقلة نوعية في المجتمع الإماراتي، حيث تأهلت مجموعة من الكوادر العلمية المواطنة من الجنسين .
ممن يحملون مؤهلات علمية في جميع المجالات، تأهلت لقيادة العديد من المناصب التي تقوم عليها الدولة الاتحادية الحديثة، وغني عن البيان أن أكثر من ثلث أعضاء مجلس الوزراء الحالي «التشكيل الوزاري الجديد» في الإمارات، هم من خريجي الجامعة الأم «جامعة الإمارات العربية المتحدة» التي يدرس فيها كوكبة من المواطنين.
وأساتذة الجامعات العرب وغير العرب، الذين حصلوا على شهادات رفيعة المستوى من الشرق والغرب، مما أدى الى التنوع الثقافي الذي ينهل منه الطالب الإماراتي، الأمر الذي أضفى على دولة الإمارات لمسات حضارية متنوعة وثرية.
هذه الحقيقة الناصعة يجهلها الآن السادة المحترفون الخبراء والأساتذة الأجانب من الغرب، الذين يعتقدون أنهم جاءوا لكي يأخذوا بيد أمة جاهلة ليعلموها العلم والحضارة! فهم يجهلون تاريخ وحضارة دولة الإمارات ويجهلون عاداتها وتقاليدها وثقافتها الخاصة.
ولا أدري كيف يأتي هؤلاء ليدرسوا في مجتمع لا يعرفون طبيعة تركيبته الخاصة، خاصة أنهم يحملون منظومة قيم مختلفة كلية عن منظومة القيم الإماراتية الأصيلة، ولذا وقع الكثيرون منهم في تصادمات واحتكاكات مع أبنائنا الطلاب والطالبات، وكان هذا طبيعياً لأنه لا توجد لغة مشتركة بين الطرفين، وأنا هنا لا أعني اللغة بالمعنى الحرفي.
بل أعني الفكر والمفاهيم، لكن الحديث عن اللغة بالمعنى الحرفي هو أيضاً مشكلة غير هينة أبداً، لاسيما في مجال دراسة العلوم الإنسانية والاجتماعية، فالدراسة باللغة الإنجليزية في هذا المجال غير ضرورية بالمرة.
إن التعليم ليس بالأمر الهين، بل هو قضية أمن وطني وقومي، وهو أساس تماسك المجتمع والركن الركين لتقدمه، ولذا من الغريب أن نعطي مسؤولية إنشاء جيل جديد لمجموعة من الأجانب الغربيين، خاصة أن مدى كفاءتهم مسألة مشكوك فيها تماماً.
فهم لم يتمكنوا من العمل في جامعات بلدهم، ولذا جاءوا إلى جامعاتنا باحثين عن عمل، ولا يوجد في السيرة الذاتية لكثير منهم سابقة عمل في جامعة مرموقة، فهل جئنا بهم نتيجة عقدة الخواجة؟
وبعد تجربة هؤلاء في جامعاتنا نتساءل :هل تحسن مستوى الطالب الإماراتي أم انه صار إلى الأسوأ؟
إن الإجابة يعرفها الجميع، ولا داعي لذكرها هنا.
إننا أصبحنا في خطر حقيقي، خطر يهدد هويتنا وخصوصيتنا وثقافتنا، خطر يهدد عقول أبنائنا، نعم خطر يهدد عقول أبنائنا الذين تربوا على ثقافة عربية أصيلة ثم نفاجئهم بثقافة أخرى مغايرة، لاسيما أنها تأتي من خبراء وأساتذة غير فاهمين .
ولا متفهمين لخصوصيتنا الحضارية، وأقل النتائج التي يمكن أن تترتب على هذا هو حدوث انفصام ثقافي في عقول أبنائنا، او حدوث حالة من الصراع والتوتر في منظومة القيم التي يحملونها، وهنا سوف يدفع المجتمع كله الثمن غالياً.
ولذا فإن الأمم العريقة والمتقدمة مثل فرنسا تتمسك بلغتها القومية في التعليم، بل كثير من الدول العربية تفعل هذا وتقصر التعليم باللغة الإنجليزية على العلوم والهندسة والطب، وهذا أمر طبيعي، لكن في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، فالاعتماد يكون على اللغة الوطنية.
وهذا ما أدركه أعضاء هيئة التدريس في جامعة الإمارات عندما ثاروا من أجل اللغة العربية والهوية والحضارة، بعد أن صمتوا كثيراً على استقدام الخبراء والأساتذة الغربيين، لكنهم بعد أن جرّبوا وعرفوا نتائج عملهم، فاض بهم الكيل، فكثير منهم غير كفء، فضلاً عن أن مخرجات التعليم الأساسي لم تساهم في تطوير مخرجات التعليم في كلية العلوم الإنسانية.
أضف إلى هذا أن بعض الخبراء والأساتذة الغربيين لا يتورع من التعدي بالألفاظ على أبنائنا وبناتنا، وبعضهم يسخر من ثقافتنا وتقاليدنا سخرية مرة، بل إن بعضهم يتجرأ على التزام بناتنا بالحجاب، ويقول متبجحاً لإحدى بناتنا «ما تلبسيه هو كيس»!
أيها القارئ الكريم، ألا تتفق معي أن مثل هذا القول يكشف عن أن الحرية الغربية مجرد وهم، ألا يؤمن هذا الأستاذ أو الخبير أن من حق كل إنسان أن يرتدي ما يشاء طالما يتفق مع الآداب والأخلاقيات العامة؟
ألا يعرف هذا الأستاذ أن هناك خصوصية دينية لكل مجتمع؟ ألا يعرف هذا الأستاذ أنه يتقاضى راتبه من هذا الوطن الذي يسخر منه هذه السخرية؟
إننا أعضاء هيئة التدريس في جامعة الإمارات نطالب بالعودة إلى لغتنا الأم، أقصد اللغة العربية لتدريس مساقات العلوم الإنسانية والاجتماعية، هذا رغم أننا نتقن اللغة الإنجليزية، وحصل معظمنا على شهاداتها العليا من الغرب، فتعلم اللغة الإنجليزية شيء، ودراسة المساقات شيء آخر.
إن رفع مستوى أبنائنا في اللغة الإنجليزية يمكن أن يتم من خلال مواد اللغات، ومعامل اللغات المتقدمة والوسائل العلمية الحديثة في التدريس، وليس بجعلها لغة التدريس بعامة في كل المساقات. فأبناؤنا لن يستوعبوا العلوم بهذه الطريقة، وسوف ينخفض مستوى تحصيلهم الدراسي.
وهناك العديد من الدول المتقدمة والمتطورة علمياً تدرس لأبنائها اللغة الإنجليزية كمادة لغة أجنبية، لكنها لا تعتمد اللغة الإنجليزية في المساقات التي تدرس لطلابها، فالتدريس يكون باللغة الأم حفاظاً على الهوية الحضارية، بل وحفاظاً على منظومة القيم الاجتماعية الخاصة بها.
إن إسرائيل الاستعمارية متقدمة علينا علمياً، ومع ذلك فقد فعلت بلغتها عكس ما فعلنا، فبينما نحن ننحي لغتنا العظيمة جانباً، تقوم هي بإحياء اللغة العبرية الميتة.
هذه اللغة التي ليس لها أي إسهام في تاريخ العلم، على عكس لغتنا التي كانت لغة حضارة وعلم في وقت كان فيه العالم الغربي يعيش في ظلمات العصور الوسطى.
نعم إن اللغة العربية لغة حضارة عريقة لها إسهامها الكبير، ولها أثرها الواضح على الحضارة الغربية خصوصاً، فليس من المعقول أن نهجرها هذا الهجر، إن اللغة العربية هي لغة القرآن ومحاولة فك الارتباط بلغة القرآن والتوجه إلى لغات أخرى أمر بالغ الخطورة.
وليس من المعقول أن نستقدم من الأستاذة الأجانب من يهين أبناءنا وبناتنا بالسخرية من دينهم ومن عاداتهم ومن ثقافتهم الوطنية، إن الخبرات الإماراتية بعد عقود عدة من التعليم مؤهلة لحمل الأمانة، وإذا كان لا بد من الاستعانة بخبرات غير إماراتية، يجب أن تكون هذه الخبرات ذات كفاءة وتحترم هوية وخصوصية الشعب الإماراتي.
أضف إلى ذلك الأساتذة العرب على مختلف أوطانهم، فالمواطن الإماراتي أو العربي الكفء يجيد التعامل مع أبنائنا وبناتنا ولا يترفع عليهم، وهو يتفانى ويخلص في العمل كما نعرف جميعاً من خبرة السنوات الماضية، ولا مانع من الاستعانة بالأكفاء من الغربيين الذين يعملون في جامعات معترف بها وليس العاطلين من ذوي الأفق الضيِّق ومعدومي الخبرة!
ومن الضروري أن تكون رئاسة الأقسام وعمادة الكليات للأساتذة من مواطني الحكومة الاتحادية الذين حملوا شعلة العلم وحصلوا على شهادتهم العليا دافعين الثمن غالياً، وهل هناك ثمن أكبر من الاغتراب لسنوات طويلة عن الوطن والأسرة للحصول على الماجستير والدكتوراه من جامعات العالم العريقة؟
علينا أن نفيق من وهم الثقة في الغرب، ونبتعد بعض الشيء عن مفهوم تعظيم سلام لكل ما هو غربي، فمن الخطورة بمكان وضع مستقبل بلدنا في يد مجموعة من الخبراء والأساتذة الأجانب، ونثق فيهم، بينما هم لا يثقون فينا.
لله الأمر من قبل ومن بعد.. وللحديث بقية.
منسق أكاديمي ـ جامعة الإمارات