أثارت عملية تل أبيب، أول من أمس، من الجدل والردود الساخنة، أكثر من أية مرة مشابهة في السابق، وبالتحديد على الساحة الفلسطينية، والسبب هو توقيتها. الإدانات والانزعاجات التي بقيت مكبوتة رأت أن حصولها عند هذه المحطة بالذات يزيد من الضرر بالمصلحة الفلسطينية التي لا تقوى الآن على احتمال خسائر إضافية.

بحسابات اللحظة الراهنة ومعطياتها القاسية وغير المسبوقة، كما بحسابات المردود لمثل هذه العمليات، قد يكون ذلك صحيحاً. فالظرف دقيق وموجع. والحصار خانق ومرشح للمزيد من إلحاق الأذى.

وبالتالي كان من الحكمة الابتعاد عن رد يعزِّز خندق الأعداء، في حين أن أكثر ما يحتاجه اليوم الوضع الفلسطيني هو تعزيز خندق الأصدقاء. لكن على وجاهة هذا التعليل، إلا أن أساس المشكلة هنا ليس في التوقيت، الأساس يكمن في غياب المشروع الوطني الواحد، في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، غيابه أدّى إلى الازدواجية في التعامل مع هذا الأخير.

لكل مقاربة مشروعها، ومن الطبيعي أن تقود مثل هذه التعددية إلى إيجاد إرباكات وتباينات ترفع من درجة التأزيم الداخلي الذي قد يؤدي في هذه الحالة إلى واحد من خطرين:

احتمال انجراف القوى المختلفة إلى الاقتتال الأهلي، تعطيل فرص وإمكانات التقارب باتجاه مشروع ائتلافي وطني يضم كل هذه القوى تحت مظلته.وبالفعل كانت قبل أيام قليلة قد لاحت إمكانية العودة إلى حكومة وحدة وطنية تشارك فيها كل الفصائل.

وقد جرت لقاءات ومشاورات في هذا الخصوص، وبدا أن هناك قابلية على الأقل للمراجعة والبحث في الموضوع. وحدة الصف الفلسطيني في هذه المرحلة لا تتقدمه أولوية أخرى، على الأقل هذا ما ينطق به خطاب كل الفصائل الفلسطينية.

وبطبيعة الحال، لا تستقيم مثل هذه الوحدة إلا على أرضية مشتركة، يتعذر العثور عليها من غير إعادة نظر بالسياسات وتغليب متطلبات الظرف الراهن على سواه.

صحيح أن المقاومة مشروعة وأن الرد حق، ولا جدال في أن إسرائيل دأبت باستمرار ومن خلال سياساتها العدوانية على كسر التعهدات والالتزامات لنسف كل احتمالات التهدئة المؤدية إلى التفاوض.

كما هو صحيح أن الكيان الصهيوني لا يحتاج إلى ذرائع لممارسة عدوانيته، فهو اعتاد على إيجادها عبر الاستفزاز والاغتيالات والملاحقات وبقية صنوف الانتهاكات التي يتقنها ويواظب على ممارستها.

لكن الصحيح أيضاً أن للظروف أحكاماً، ولكي ينضبط العمل بهذه القاعدة الذهبية لا بد من لملمة الوضع الفلسطيني ووضع حدّ لحالة التشرذم التي يعيشها في كل أوضاعه.

فإذا كان العدو واحداً فلا تصح مقاتلته إلا بموقف واحد وسياسة واحدة، بخلافه يكون الإرباك محتوماً، وما حصل في أعقاب العملية يؤكد ذلك، رئاسة السلطة أدانت والجهة الفاعلة برَّرت، حكومة حماس حملت المسؤولية للاحتلال.

إذا كان من البديهي القول:إن هذا الأخير هو أصل العلّة، فإن من البداهة أكثر القول :إن التعاطي الفعال والسليم مع هذه العلة، لتقليص خسائرها ثم الخلاص منها، لا يتحقق إلا في وحدة التصدي لها. وقد آن الأوان للبيت الفلسطيني أن يعمل على ترميم ما تداعى فيه إذا ما أراد الحفاظ على كيانه. وما أحوجه إلى مثل هذه القفزة الآن.