تابعت شريط أسواق الأسهم على «سما دبي» منذ العاشرة وحتى الواحدة من صباح الأحد، وهذه هي المرة الأولى التي أحس فيها بالتعاطف مع كل من يتعامل مع الشاشات في قاعات التداول.
ولا اقصد الفقراء الذين أرادوا أن يكونوا أثرياء غصباً عن نظريات التطور والارتقاء الطبيعي، بل على العكس، فقد كان تعاطفي مع الأغنياء من حملة شهادات التأسيس السرية والعلنية، أولئك الذين إذا وزنت شهاداتهم بالميزان انكسر عداده.
أما إذا حسبت الأرقام فالويل لك من تجلط الدم، هم كانوا الأولى بالتعاطف والحزن على حالهم، فالمؤشر المتبدل في كل لحظة ما بين الصعود والهبوط يحدث لوثة عقلية لأكثر الناس ثقلاً ورجاحة وصبراً، وتخيلت من يملك مليون سهم في شركة تخسر ثلاثة دراهم في لمح البصر.
والآخر الذي يملك خمسة ملايين سهم في شركة تكسب درهمين في خمس دقائق، ثم تخسر ثلاثة دراهم في دقيقة، ثم تسترجع درهما في ثوان معدودات، ثم يصعد ثم يعود إلى الخلف، ثم يستكين وتتوقف شرايينه عن الضخ وتتقطع أنفاسه.
وكأنه خارج من سباق المئة متر جري، ولا تسمع ولا ترى غير شهقات من «يطلع الروح»، والسهم الأحمر كأنه «لسان» خارج في مواجهة الجميع.
اتصلت بصديق متواجد في قاعة التداول بأبوظبي، وكنت اضحك، فمصيبة الصعود والهبوط بالنسبة لي ليست ذات أهمية، ليست من النوع الذي «يخثر الدم» أو «يعصر» القولون أو «ينفخ» البنكرياس، كلها بضعة آلاف من الدراهم ان كانت الشارة خضراء زادت بضع مئات اعتبرتها خيرا وبركة.
وان كانت حمراء نقصت ما اعتبرته في «ثواب» السابقين واللاحقين، ووجدت الصديق المحنك بأمور السوق وأحواله وأهواله يبادلني الضحك على غير عادته.
وكنت أتمنى أن اسمع منه تفسيراً لما يحدث، فأجابني بهستيريا تخرج بشكل تهتهات، وبضع كلمات لا تكاد تفهم من بينها، قال تعال وشاهد ما يحدث هنا، انها ردة فعل لا يمكن أن تتخيلها.
فهذا جمع من الناس تناثرت أوراقهم و«طاشت» عقولهم، لم يجدوا غير شاشة العرض التي أمامهم ليحملوها ويتراقصوا بها، انهم يرقصون من الأرقام من دون «حاسية» في هبوطها يطبلون.
وفي صعودها يتمايلون، وفي جنونها يدورون حول أنفسهم مع كل حركة للأسهم المجنونة يزدادون جنونا، وخبراء السوق جامدون في أماكنهم «أثمن» واحد فيهم هو الذي يهزّ رأسه من دون أن ينطق، فقط يده المتسائلة تتحرك فتظن انه أصيب بالبكم، وأكثرهم تفاؤلا هو من يسأل صغار المستثمرين ما الذي يحدث؟