في الساحة الفلسطينية حراك سياسي وطني، سليم الاتجاه. بالأحرى، هناك نوع من المراجعة والاستدراك؛ فرضة الظروف القاسية التي تم بها هذه الساحة. وكأن القوى المعنية تعترف بأن حمولة اللحظة الراهنة أثقل وأعنى من أن ينهض بها فريق لوحده؛ وبأن الهجمة الخانقة تستهدف كل الأطراف، في نهاية الأمر.
أوحى بذلك الاجتماع الموسع الذي دعت إليه «حماس» وشارك فيه 12 فصيلاً، وغابت عنه حركة «فتح»؛ للبحث في إمكانية إجراء تعديل وزاري تتمخض عنه حكومة «وحدة وطنية».
رئيس السلطة، أبو مازن، أبدى ترحيبه ويبدو أن الاتصالات جارية مع «فتح»، في هذا الخصوص.
طبعاً، هي خطوة متأخرة. كان من المفروض أن يتم التوافق على تأليف هكذا حكومة، من البداية، لكن «ربّ ضارة نافعة».
حملة الحصار والمقاطعة التي طاولت الجميع ووصلت إلى لقمة عيش الفلسطينيين؛ ربما كانت بمثابة الصدمة التي نخرت كافة القوى الفلسطينية ودفعتها بالاضطرار إلى نوع من الصحوة أو الدعوة، لإعادة النظر في المواقف والحسابات.
لا شك أن لكل طرف حساباته. لكن المراجعة ـ أو على الأقل الاستعداد للقيام بالمراجعة عند هذا المفصل؛ هي بحد ذاتها تطور إيجابي. ذلك أنه ينطوي على تسليم ضمني بوجوب استبدال التصلب بالليونة والاستئثار بالمشاركة، وفي ظل مثل هذه الأجواء تتوافر شروط التلاقي على تحديد الأولويات كما على القواسم المشتركة. ولو عند الحدّ الأدنى.
المطلوب الآن تفعيل هذه العودة للتلاقي وتسريعها. الهامش الزمني ضيّف. لا يسمع بترف ممارسة لعبة شدّ الحبال، والأهم أن تعطي ثمرتها المرجوّة، والموجبات كثيرة وضاغطة بوتيرة متزايدة، الأمور وصلت إلى العظم، فالحصار يطبق على الساحة من كل صوب؛ في حين يد العون قصيرة.
وحتى اليد الممدودة شحيحة، ثم أن الوضع الأمني المنفلت مع استيراد خناق الضائقة؛ من شأنه توليد خلطة تضع الوضع برمته على كف عفريت، ثم أن حكومة «كاديما ـ العمل»، على الباب.
وهي مستعجلة لوضع مشروعها الأحادي موضع التنفيذ؛ بمباركة ودعم واشنطن والأوروبيين المقاطعين للحكومة الفلسطينية، لكن أهم إنجاز يحققه مثل هذا الاستدراك، إذا ما أعطى ثمرته وانتهى إلى إقامة حكومة وحدة وطنية، يكون في ما يوفره للجبهة الداخلية من مناعة وتحصين، وفي ذلك مكسبين طالما كانت الساحة الفلسطينية بحاجة ماسة إلى تحقيقها.
تفويت الفرص على المحاولين باللعب على التناقضات الفلسطينية، من خلال مطالب التعجيز والتحريض.
استنفار الوضع الفلسطيني لكافة أوراق الذاتية والاستقواء بها؛ كونها خط الدفاع الأخير والأكثر صلابة بوجه الاستحقاقات المصيرية القادمة.
الأن تتوفر فرصة لإعادة وضع القطار الفلسطيني إلى سكّته الصحيحة، وأهميتها انها مولودة من رحم لحظة تاريخية، هي بطبيعتها إنقاذية، وتفويتها ليس فقط خطأ، بل خطيئة، خاصة وأن كافة القوى والاطراف أعربت عن استعدادها للبحث في خيار الحكومة الجامعة.
يبقى التنفيذ، ولا ينبغي أن يحول دونه إلا اذا كانت النوايا متجهة لاصطياد المغانم الفئوية أو لرفع العبث، إنها لحظة تصويب ضروري وعاجل للبوصلة الفلسطينية.