في مقالة صحافية يقول جون كيري المرشح المنافس للرئيس جورج بوش في الانتخابات الرئاسية الأخيرة ان نصف عدد الضحايا الأميركيين في الحرب الفيتنامية لقوا حتفهم بعد أن توصل القادة العسكريون في واشنطن إلى قناعة نهائية رسمياً بأن الهزيمة الأميركية في الحرب باتت حتمية.
ومعنى ذلك انه بسبب خداع القادة فإن أرواح نصف الجنود الأميركيين أهدرت بلا مبرر وبلا ضرورة. وإذ يصف كيري مسلك قادة الأمس بأنه «لا أخلاقي» فإنه يستخدم النعت نفسه بشأن القادة الأميركيين الذين يقومون اليوم على إدارة الحرب الأميركية في العراق.
وبينما لا تملك إلا أن تتفق مع هذا المرشح الرئاسي السابق إلا أن ثمة سؤالاً يفرض نفسه: لماذا ـ ابتداء ـ أيد كيري قرار إدارة بوش بشن الحرب على العراق؟
جون كيري الذي ينتمي إلى «الحزب الديمقراطي» كان ولا يزال عضواً بارزاً في الكونغرس. ولولا ان قيادات الكونغرس المؤثرة من أمثال كيري منحوا تأييدهم للرئيس بوش لترددت الإدارة في تنفيذ خطة الغزو.
مع ذلك ليس من الحكمة تجاهل الملاحظات والرؤى التي يطرحها الآن ذلك السيناتور «الديمقراطي» وعلى رأس هذه الملاحظات والرؤى مطالبته بخروج القوات الأميركية من العراق دون تباطؤ.
يقول كيري ان القيادات العراقية تجاوبت مع جدول زمني لنقل السلطة إلى حكومة مؤقتة وجدول زمني آخر لعقد ثلاثة انتخابات. ومن ثم يخلص إلى دعوة الإدارة الأميركية لوضع جدول زمني آخر لإخراج القوات الاحتلالية من الأراضي العراقية.
ويذهب أبعد من ذلك مقترحاً ان إدارة بوش ينبغي ان تبلغ الساسة العراقيين بأن لديهم حتى يوم15 مايو لتشكيل حكومة وحدة وطنية وإلا فإن الولايات المتحدة ستسحب قواتها فوراً. ويحذر كيري من أن الولايات المتحدة لن يكون لها خيار في كل الأحوال سوى الانسحاب لأن الحرب الأهلية الدائرة ستتفاقم.
ماذا يحدث إذن إذا نجح القادة العراقيون في تشكيل حكومة الوحدة؟
هنا يقترح كيري جدولاً زمنياً لسحب القوات الأميركية في موعد أقصاه نهاية العام الحالي ـ مما يفسح المجال لمرحلة من العمل الدبلوماسي الجاد بشأن المصير السياسي للعراق.
ولهذه الغاية يتقدم كيري باقتراح لاشك في وجاهته: عقد اجتماع قمة برعاية أميركية تشارك فيه القوى الدولية الأخرى والجامعة العربية والأمم المتحدة ـ وبالطبع قيادات جميع الأحزاب والمنظمات العراقية بما في ذلك ممثلو المقاومة المسلحة.
ويرى كيري ان المهمة الأساسية للقمة تتمثل في التوصل إلى اتفاق سياسي عريض يشمل ضمانات أمنية وتفكيك الميليشيات وإعادة الأعمار.
ولا ندري ان كان لأفكار ومقترحات هذا المرشح الرئاسي السابق صدى في البيت الأبيض وكيف يتجاوب معها فريق «المحافظين الجدد» الملتفين حول الرئيس الأميركي.
ولكن نقول بأثر رجعي الآن انه لو كانت قيادات الكونغرس النافذة تتعامل مع الرئيس بوش بمثل هذا الفكر الموضوعي الجريء لما تورطت الولايات المتحدة في حرب بالغة التدمير شنتها بناء على كذبة.. ولماذا سفهت مواقف المنظمات المناهضة للحرب التي هبت للاحتجاج حتى قبل ان ينطلق أول صاروخ أميركي صوب بغداد.