ارتفعت عائدات دول مجلس التعاون الخليجي النفطية لشهر يناير 2006 إلى 15 ,23 مليار دولار، بزيادة 3 مليارات دولار عن ديسمبر 2005. وحسب التقرير النفطي الشهري الذي يصدره مركز الخليج للأبحاث في دبي حققت السعودية 66 ,12 مليار دولار، تليها الإمارات 89 ,3 مليارات، الكويت 8 ,3 مليارات، قطر 41 ,1 مليار، عمان 27 ,1 مليار والبحرين 120 مليون دولار.
ستزيد عائدات النفط العالمية هذا العام على تريليون دولار. وستحصل بلدان أوبك على 522 مليار دولار، منها 300 مليار دولار نصيب دول الخليج العربية. وستحقق بلدان خليجية فوائض كبيرة في ميزانياتها.
وهذه العوائد مرشحة لمزيد من الارتفاع في المستقبل المنظور ،حيث ترتفع أسعار النفط باضطراد. الخميس الماضي وصل سعر برميل سلة أوبك 63 د/ب مقارنة بـ 82 ,63 في اليوم السابق.
ومنذ بداية ابريل سجل سعر برميل نفط سلة أوبك خمسة أرقام قياسية، ثلاثة منها سجلت في الأسبوع الأخير. وفي بورصة النفط العالمية في لندن بلغت أسعار مضاربات البيوعات المستقبلية لنفط برنت لشهري يونيو ويوليو 55 ,69 د/ب.
وستزداد العوائد ليس فقط بسبب التطورات الجيوسياسية في مختلف مناطق العالم (إيران، نيجيريا، فنزويلا وغيرها)، وإنما لأسباب تتعلق بحالة الاقتصاد العالمي. فخلال الأشهر الأخيرة تعين على المحللين وواضعي التنبؤات إعادة النظر في كثير من تقديرات وأحكام السنة الماضية.
وفي هذا الأسبوع سينشر صندوق النقد الدولي توقعاته حول نمو الاقتصاد العالمي. وحسب بعض التسريبات سيرتفع معدل النمو الاقتصادي العالمي بين 8 ,4 و9 ,4% بدلا من 3 ,4% المتوقعة سابقا.
أحد أسباب هذا التصحيح هو نمو الاقتصادات الآسيوية. لم يتراجع نمو غالبيتها بسبب زيادة أسعار النفط، بل تسارع لأن الطلب على منتجاتها قد ارتفع في أوروبا وأميركا.
يمكن القول إن الأزمات الرئيسية في الاقتصاد العالمي انتقلت من منابع النفط إلى المصارف المركزية .. لم يحدث أي هروب للأموال من أسواق السلع.
على العكس، بلغت أسعار الذهب 600 والفضة 11 دولاراً للأونصة، وبلغ سعر برميل نفط برنت 69 دولاراً، محققة أرقاما قياسية تاريخية. الاقتصاد العالمي يتسارع، السلع والعملات تزداد سعرا مقابل الدولار الذي يحقق تراجعات كبيرة.
لم يعد تزايد أسعار النفط يكبح النمو الاقتصادي أو يزيد التضخم على المستوى العالمي. لكن أين الاقتصاد الخليجي من هذه التطورات؟
التجربة ذاتها تتكرر مع ارتفاع أسعار النفط في كل مرة، فهل تسلم الجرة؟
أولا، في مجال الاستثمار الإنتاجي نلاحظ أن تركيزا مكثفا يجري على التوظيف من أجل زيادة إنتاج النفط مستقبلا. وقد ذكر عبد الحسين ميرزا، وزير الدولة ورئيس هيئة النفط والغاز البحريني أن دول التعاون الخليجي ستنفق حتى نهاية هذا العقد ما بين 50 إلى 60 مليار دولار بهدف زيادة الإنتاج من الآبار الحالية أو تطوير استكشافات جديدة.
من جهة أخرى أعلنت عمان أنها ستستثمر للسنوات الخمس المقبلة 10 مليارات دولار من أجل زيادة إنتاجها من النفط والغاز.
لقد لاحظ تقرير الاستثمار الدولي 2004 الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» ـ «تطور الاتجاهات الاستثمارية في الدول العربية» أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة في بلدان مجلس التعاون تتجه إلى قطاعات النفط والغاز والمال والعقار أساسا.
بينما بقي حجم الاستثمار في قطاعات الاقتصاد الفعلي وقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات متواضعا رغم ارتفاع معدلات نموه. وعلى هذا الأساس صنف تقرير الأونكتاد المذكور أداء بلداننا ضمن مجموعة البلدان ذات الإمكانيات الكبيرة والأداء المنخفض.
ثانيا، عن طريق الإنفاق الحكومي تضخ الحكومات جزءاً كبيراً من عائدات النفط في مشاريع كبيرة للبنية التحتية تحقق عائدات ضخمة للقطاع الخاص. وسرعان ما تتحول السيولة المتولدة إلى قطاعي العقار والبورصة التي تضاعفت مؤشراتها في السنوات الأخيرة.
وبسبب بحر السيولة النقدية تبالغ المضاربات نفخا في أسعار العقارات والأسهم الخليجية، مما انعكس مخاطر جمة في معدلات التضخم وفقاعات الأصول عندما آن للأسهم أن تعود لتقترب من قيمها الحقيقية.
المصارف عمدت، وفئات واسعة من السكان لجأت إلى القروض الشخصية بهدف المضاربات في هذين القطاعين مما ارتد بآثاره الاجتماعية والاقتصادية الوخيمة على الجهتين. وأصبح الوضع يتطلب تدخلا حكوميا بما يعني تبديد قسم آخر من عوائد النفط.
ثالثا، أطلقت البحبوحة النفطية العنان لموجة سباق تسلح جديدة على ضفتي الخليج بين إيران ودول مجلس التعاون. وواضح أن في هذا التبديد للعوائد فوائد كبرى لاقتصادات الدول الغربية.
فمثلا، ذكر بو أرناود دي بورغريف أن أكثر من ربع المهندسين العاملين لدى شركات الدفاع والطيران العسكري البريطانية قد حصلوا على وظائف مغرية الأجر والامتيازات في دول المجلس الست.
وفي مسح أجرته Wynnwith Engineering ظهر أن 97% من الوظائف الهندسية قد فتحت أمام البريطانيين وبقية الأوروبيين.
وفي أواخر العام الماضي وقعت السعودية مع بريطانيا مذكرة تفاهم تقضي بشراء ما قيمته 16 مليار دولار من طائرات يوروفايتر تايفون المقاتلة القاذفة. وارتباطا بذلك أصبحت BAE Systems من أكبر أرباب الأعمال في السعودية وتوظف 4800 شخص، حوالي نصفهم من البريطانيين.
وواضح أن جر المنطقة إلى سباق التسلح لا يشكل فقط أوسع قناة لإعادة ضخ العوائد النفطية إلى الخارج، بل ويهيئ الظروف لانفجارات محتملة جدا في منطقتنا المتوترة أصلا وتنذر بعواقب وخيمة على حياتنا واقتصادنا وبيئتنا وعلى العالم.
لقد بات التوجه نحو إقرار وتوطيد السلم والأمن في المنطقة شرطا ضروريا لتهيئة الظروف للتعاون من أجل توظيف العائدات النفطية لحاجات التنمية المستدامة بدلا من النزاعات المسلحة.
كاتب بحريني
