بعد حرب الخليج الثانية استدعيت القيادات العربية السياسية لحضور مؤتمر مدريد للسلام الذي عقد عام 1991 برعاية أميركية- سوفييتية في ذلك الوقت. عقد المؤتمر على أساس أنه الطريق الشرعي الدولي الوحيد المتبقي لإقامة سلام مقبول مع إسرائيل، وأن يبدأ عصر جديد من السلام بين إسرائيل والعرب.
بدأت الدول المجاورة والبعيدة عن إسرائيل تهرول سراً وعلناً في محاولة للحصول على نصيبها من هذه الكعكة السياسية المأمولة بعد خروج العراق من الساحة السياسية كقوة يحسب حسابها في معادلة الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
دخلت منظمة التحرير الفلسطينية في مفاوضات سرية مع إسرائيل جرت في النرويج تحت سمع وبصر الإدارة الأميركية حيث توجت الجهود والضغوط بإنجاز اتفاق أوسلو الذي وقع في واشنطن عام 1994.
وقّع ياسر عرفات وإسحاق رابين الاتفاق؛ وبتأثير قوي من الإعلام المصاحب لتسلسل الأحداث وضع أهل المنطقة في رؤيا شبه حقيقية بأن الأمور متجهة نحو تحقيق سلام شامل.
كان اتفاق السلام هذا مرفقاً بكتاب تأويل خطوات السلام الذي ضم أكثر من 400 صفحة تقيد في تفاسيرها على أرض الواقع، بل تشل، عملية السلام وتجعلها تتماشى فقط مع الخطط الاستراتيجية بعيدة المدى لدولة إسرائيل ولكن بطريقة سلمية!.
مقابل ذلك تلقى الفلسطينيون وعوداً كثيرة معظمها من البنك الدولي للتمويل والتعمير للمساعدة في تحقيق مستقبل مزدهر ضاهى في الوصف ما وصلت إليه اليابان وهونج كونج وتايوان.
وكان الواقع الافتراضي المنظور والمأمول يشير إلى احتمال قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة اللتين احتلتا في حرب حزيران 1967 خلال مدة زمنية قد تمتد إلى نهاية القرن العشرين على أبعد تقدير.
إلا أن قراءة ولو سطحية لاتفاق أوسلو يكتشف القارئ أن السلطة الفلسطينية أعطيت حق تصريف الأمور الحياتية إلى حوالي 99% من الفلسطينيين تحت الاحتلال يعيشون على أقل من 4% من الأراضي المحتلة عام 1967.
كما تم تأجيل النظر في القضايا الأكثر استراتيجية وأهمية وحساسية سميت بقضايا الوضع النهائي مثل قضايا اللاجئين ووضع القدس والمياه والحدود والسيادة الوطنية والمستعمرات وغير ذلك؛ كلها ذات طبيعة شائكة ومعقدة من الجانب الإسرائيلي تجعل التقدم باتجاه إيجاد حل نهائي مقبول من قبيل المستحيل.
في البداية تحسن الوضع المعيشي والمالي للسكان والسلطة العتيدة خاصة أصحاب الشركات التجارية وأرباب العمل وأصحاب رؤوس الأموال.
أتى العام 1999 ولم تلح في الأفق أية بارقة أمل حقيقية باتجاه استقرار الوضع؛ على العكس من ذلك استمرت إسرائيل في تصرفاتها الاستيطانية وأعمالها العدوانية وفي كافة الاتجاهات والمواقع والمسارات داخل فلسطين وخارجها.
في غضون ذلك حرص الطرف الفلسطيني على المضي قدماً في المفاوضات لحفظ ماء وجه المفاوضين ولوقف تدهور الأمل في هكذا سلام قائم على تقديم تنازلات مذلة في كل مرة يجتمع الوفدان المتفاوضان داخل وخارج فلسطين وإسرائيل.
وليقطع الأمل بأي نوع من السلام مع الفلسطينيين أقدم أرييل شارون على القيام بزيارة استفزازية للحرم القدسي الشريف عام 2000 مشعلاً بذلك انتفاضة الأقصى حيث سقط آلاف الضحايا حتى الآن. بعدها بقليل تولى أرييل شارون نفسه رئاسة الوزراء من سلفه العمالي إيهود باراك بعد انتخابات مبكرة.
قامت إسرائيل بتدمير المؤسسات الفلسطينية، الأمنية والإدارية والاقتصادية والمدنية، بشكل منظم ومنهجي وتحت سمع وبصر العالم وبدعم سياسي قوي من الإدارة الأميركية في مجلس الأمن الدولي التي استخدمت حق النقض أو الفيتو ضد الفلسطينيين عدة مرات في هذا الصدد. أدى ذلك إلى وصول الأوضاع المعيشية في المناطق المحتلة إلى ما لا يطاق من العسر والصعوبة.
منذ البداية لم يكن الدعم المالي كافياً لا لسد حاجات السلطة الفلسطينية ومستخدميها ولا لإقامة مشاريع تنمية حقيقية داخل المجتمع الفلسطيني.
لم تف الدول المانحة والبنك الدولي للتمويل بوعودهم لمساعدة الفلسطينيين للنهوض باقتصادهم كما وعدتهم. بسبب الحصار المحكم وأعمال الجيش الإسرائيلي العسكرية وبات الوضع المعيشي للفلسطينيين في الداخل كئيباً ويعتمد بشكل أكبر على ما تقدمه الجمعيات الخيرية والمغتربون الفلسطينيون إلى أهاليهم تحت الاحتلال.
إذا ما قارنا ما يقدَّم من دعم لإسرائيل في هذا السياق نجد أن المساعدات الغربية للفلسطينيين في مجملها تشكل نقطة في بحر نظيرتها المقدمة عبر سنين طويلة لإنشاء واستمرار بقاء الكيان الإسرائيلي.
في الوقت الذي يسبح فيه الإسرائيلي العادي في واحة من الرخاء والأمن والضمان الاجتماعي والازدهار الاقتصادي يخيم على الشعب الفلسطيني شبح المجاعة بسبب شح المساعدات وسطوة عناصر جهاز الأمن الإسرائيلي على ما يصل منها بحجة منع وقوع تلك الأموال بأيدي المنظمات الإرهابية!.
بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك ازداد وضع الفلسطينيين سوءاً على سوء حيث تم على إثرها تسليط الأبواق الإعلامية ضد القضايا العربية والإسلامية.
صرفت الإدارة الأميركية جزءاً كبيراً من جهودها باتجاه محاربة الإرهاب المزعوم القادم من الجماعات المتشددة وواجه الفلسطينيون العزل البطش والحصار والإرهاب الإسرائيلي المنظم.
وأعطي أرييل شارون الحرية شبه المطلقة للقضاء على كل ما يمكن أن يشكل رافداً لقيام سلطة سياسية في المناطق المحتلة قد تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية، مذكراً بما حدث للفلسطينيين عشية نكبة فلسطين الأولى عامي 1947 و 1948.
في هذا السياق يتعرض الفلسطينيون إلى نوع جديد من الإجراءات تتمثل في إقامة الجدران الأمنية الفاشية العازلة مع انتشار كثيف للحواجز العسكرية إضافة إلى الاغتيالات المبرمجة.
في عام 2005 أعلنت إسرائيل عن انسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة دون تنسيق مع شريك السلام الفلسطيني المفترض، لكنه أبقى القطاع الذي لا تزيد مساحته عن 400 كيلومتر مربع تحت المطرقة العسكرية الإسرائيلية مع التحكم الشديد في المعابر الحيوية الضيقة التي تربط قطاع غزة بالعالم الخارجي.
هذا ما يعرض غزة إلى نوع جديد من الاحتلال أشد فتكاً من سابقه. نتيجة لذلك ازداد الوضع المعيشي تدهوراً من أجل إخضاع الفلسطيني المحاصر للابتزاز السياسي في سبيل حصوله على رغيف الخبز الحاف فيما يمكن أن يطلق عليه مصطلح «الركوع أو الجوع».
في الآونة الأخيرة وباقتراح من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أقيمت انتخابات شفافة وديمقراطية ونزيهة وتحت إشراف دولي في المناطق المحتلة فازت بها حركة المقاومة الإسلامية حماس. أعطى ذلك مبرراً لإسرائيل والولايات المتحدة لقطع المساعدات وتشديد الحصار، الخانق أصلاً، على السلطة والفلسطينيين على أساس أن حماس حركة متشددة إرهابية.
وقامت الإدارة الأميركية بتحريض الدول الأخرى في أوروبا والعالم الإسلامي للمساهمة في زيادة حدة الحصار على السلطة والفلسطينيين.
كما لو وقع الفلسطينيون في مصيدة اختيارهم الديمقراطي لحركة حماس. حتى إذا ما تلقت السلطة الفلسطينية بعض الدعم من دول إسلامية ليحسب على أن ذلك الدعم قادم من جهات أو أطراف تقف ضد السلام.
وكما يقول المثل العامي فإنهم «لا يرحمون ولا يريدون لرحمة ربنا أن تحل» بالفلسطينيين. أصبح هم الفلسطيني الآن يتركز على توفير لقمة عيش أولاده اليومية بعد أن نفدت مدخراته المالية والتموينية وانتشر الكساد والبطالة في حياة المجتمع.
هذا النوع من الحصار بلا شك يهدف إلى وأد الكيان السياسي الفلسطيني الذي لا يزال في طور الجنين حتى بعد أكثر من عقد من الزمان على الإعلان عن النية في المساعدة على إنشائه؛ وبعد أن انقضّت الجدران الفاشية العازلة على الفلسطينيين المحاصرين بكل همجية ووحشية ونمت على أراضيهم البؤر الاستيطانية التوسعية الأكثر وحشية وهمجية.
جامعة الإمارات