الاشتباكات الدامية التي وقعت مؤخراً في مدينة الإسكندرية المصرية بين المسلمين والمسيحيين على خلفية الاعتداء على كنائس تنذر بفتنة طائفية خطيرة إن لم يتم احتواؤها بسرعة، فالفتنة عندما تشتعل فإن دائرتها تتسع بسرعة، ولا يمكن إطفاؤها إلا بعد سقوط ضحايا كثر.

وهذا ما أثبتته الأحداث في يومين، فالاعتداء على كنائس ومقتل مسيحي أعقبه بعد أربع وعشرين ساعة مصادمات بالعصي والحجارة بين الطرفين؛ مما أدى إلى مقتل اثنين وإصابة آخرين.

والأخطر من ذلك أن نار الفتنة قد لا تنحصر في بلد واحد، وإنما قد تصل ألسنتها إلى بلاد أخرى، وقد بدا واضحاً ما حصل في لبنان عندما عقد السفير المصري هناك مؤتمراً صحفياً يتحدث فيه عن الأحداث المؤسفة التي جرت في الإسكندرية؛ فقد بدا الجو متوتراً، ليس من قبل الأقباط المصريين فحسب، وإنما كان المسيحيون اللبنانيون أكثر توتراً، وأشد غضباً، حتى إن لبنانية مسيحية نادت في وجه السفير بسقوط مصر!.

وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أن الطائفية في بلد من بلدان المنطقة تترك آثارها السلبية على بلدان أخرى ومما يساعد على إشعال الفتنة ما توصل إليه العالم اليوم من تقنية اتصالية عالية المستوى تنقل الخبر من موقع الحدث مباشرة، وبالتالي فإن الأخبار المتناقلة تلهب حماس المتطرفين من مختلف الطوائف الدينية، وتدفعهم إلى الانتقام الدموي، حتى وإن كانوا على بعد مئات أو حتى آلاف الكيلومترات من موقع الأحداث.

وهو الأمر الذي يستدعي سرعةً في التحقيق وشفافيةً في التوضيح من قِبل المسؤولين، وذلك لسحب البساط من تحت أرجل الذين يجدون في هذه الأحداث فرصة لبث روح الفرقة في المجتمع؛ تنفيذاً لأغراض خاصة ومشبوهة.

المشكلة أن المنطقة العربية تئن من التشرذم السياسي والانقسام الطائفي اللذين تعجز عن استيعابهما أحياناً مؤسساتها الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني.

وفي الوقت الذي تعاني فيه لبنان والعراق من تداعيات التحزب المذهبي حتى داخل أتباع الدين الواحد تندلع الأحداث الطائفية في مصر، وبدلاً من أن تكون هناك مشكلة واحدة تتطلب الحل السريع تكون هناك أكثر من مشكلة في أكثر من بلد.

إن هذه الفتن مع الأسف الشديد تفتح ثغرات واسعة في الجبهة العربية لأعدائها للعب على المتناقضات الداخلية واستغلالها في صالحها على حساب المصالح العربية، وهاهي التدخلات الدولية لم تنتظر طويلاً وبدأت البيانات الرسمية وغير الرسمية التي تهول الأمور تصدر مطالبة بحماية الأقليات وتصوِّرها على أنها في خطر شديد.