لقد كان الخطاب الانبعاثي العربي رد فعل على استفزاز الآخر ولم يكن مبادرة ذاتية أو استجابة لتطورات أو متغيرات فرضتها التفاعلات بين عوامل البيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لهذا الفكر.

كان خطابا يدافع أو يقاوم أكثر مما كان يؤسس. ولم تستطع ديمقراطية الحداثة الغربية أن تنمو وتثمر مثلما عجزت قبلها شورى الجماعة عن التجذر في التربة السياسية العربية.

الشورى جاءت في النص القرآني وجرى تطبيقها بين الرسول وأصحابه، وكانت محاولات تطبيقها تقتصر علي أمور حياتية يومية بسيطة لا تمس نظام المفاهيم والقيم والتصورات المتعلقة بالمجتمع .

والتي أتى بها الدين، فالرسول صلى الله عليه وسلم مكلف من الخالق بنشر هذه القيم والمفاهيم ولا يسمح له بالتشاور حولها، لكن الشورى كفكرة كان من المفترض ان تتطور بعد انقطاع الوحي من السماء وبروز إشكاليات سياسية واجتماعية تستدعي التشاور حولها وتطوير آليات الشورى وتعميق مفاهيمها.

غير أن التجربة السياسية الوحيدة التي قامت بعد الرسول والمهمة من حيث عدد المشاركين فيها وأهمية موضوعها لم تشجع ـ على ما يبدو ـ على الاستمرار فيها بل وصفها عمر بن الخطاب بأنها كانت فتنة وقى الله المسلمين شرها، ولذا فقد توقفت عمليا بعد تجربة سقيفة بني ساعدة .

ولم تعد الشورى هي المؤسسة التي تأتي بالحاكم إلى السلطة فعادت الآليات الاجتماعية السابقة المتمثلة في العصبية القابضة على السيف هي المنتج الحقيقي للسلطة وأصبحت الشورى مجرد تقليد محمود وليس إجباريا يتمثل في مجموعة من المستشارين يعينهم الحاكم إذا شاء وليس ملزما بمشورتهم.

لعل الإقلاع عن الشورى ليس مرده فقط طغيان شخصية الفرد الفارس البطل وحامي حمى الجماعة، بل تجد لها أيضا أسباباً في تركيبة البنية الاجتماعية القائمة على العصبيات، ففي مثل هذه البنية الاجتماعية ليس من السهل على الشورى ان تتطور إلى مؤسسة يجرى داخلها الاختلاف.

وتصارع الآراء الذي ينتهي بقبول الأقلية وخضوعها لرأى الأكثرية، فالعقلية القبلية مثلاً لا تقبل الخضوع لرأى الآخر عن طريق الاقتناع، بل السيف فقط هو الذي يقرر ذلك نظراً لأن الآخر في مفهوم العقلية القبلية هو عصبة أخرى وبالتالي فإن الخضوع له يعنى الغلبة والمذلة وهذا مالا يمكن القبول به بدعوى الاقتناع الناتج عن الجدل.

لقد تقابلت حقيقتان اجتماعيتان أي الفردية والعصبية فأعاقتا تجربة الشورى، وكانت كلتاهما في خدمة الأخرى فالفرد المنقذ القوى يضرب بسيف العصبة ويضمن خضوع وطاعة الجماعة له، لأنه حقق عليهم الغلبة .

وهي التي تعطيه في نظرهم ولو إلى حين ـ الحق في الرئاسة، أما التشاور والجدل والاختلاف بين العصبيات في ظل الشعور بالتساوي في القوة وحول مسائل بالغة الخطورة تمس مصير الأمة.

فلا يؤدى إلا إلى التفرق إلى شيع وأحزاب وبالتالي تفتت الأمة وطمع أعدائها فيها وزوال سطوتها، ولهذا فقد قبل الفقهاء بمقولة ( ملك غشوم ولافتنة تدوم) فسطوة الفرد على الأمة خير لها وأفضل من تنازع ابنائها وذهاب ريحهم وسطوة أعدائها.

ظلت وحدة الأمة هي الهدف المقدس الذي لا تعلو عليه أية شرعية أخرى وهي المبتدأ والخبر في إعراب الجملة السياسية العربية المتعلقة بممارسة السلطة.

وسيظل هذا الهاجس هو الحجة الكبرى التي تبرر استحواذ الفرد على السلطة وتجريم كل من يختلف معه في الرأي، ولهذا فلم يستطع الفكر السياسي العربي ان يتبنى صراحة مقولة الشورى ليثريها ويبتدع لها مفاهيم وآليات ممارسة حتى تنغرس في الضمير الجمعي .

وتصير جزءا من الممارسات والسلوكيات اليومية مثلها مثل القواعد الدينية الآمرة التي تشكل الإطار العام لرؤية الجماعة والفرد للكون وللمجتمع والتي لا يجرؤ احد على الخروج عليها صراحة في مواجهة الجماعة.

ظلت الشورى طوال قرون مجرد سنة نبوية محمودة يثاب متبعها ولا يأثم ولا يعاقب تاركها إلى ان جاء الزلزال ووقعت كما يقول الجبرتي الحوادث الجسيمة والوقائع النازلة فلما أخذت تلوح في أفق الشواطئ العربية بوادر النازلتين معا أي سطوة أعداء الأمة وتفتتها، جاء رد الفعل .

وأخرجت الجماعة كل ما لديها من آليات المقاومة فلم تكن البوارج تحمل المدافع والبارود فقط بل كان في جوفها أيضاً علماء ومفكرون مسلحون بالفكر الذي يمثل ثقافة وحضارة الخصم القوى المنتصر، فكان هذا تحديا مفاجئا لم يكن احد ينتظره.

هذه الرؤية الجديدة للكون التي أتت بها الحداثة الغربية بما تمثله من قيم ومفاهيم وتصورات لم تكن أمامها تربة بكر يسهل حرثها وتتجذر فيها البذور بسرعة، فالواقع الذي وجدته أمامها كان متخما بتراثه ـ بصرف النظر عن عدم معقولية بعض عناصره .

ـ وكان أيضاً مشبعا بمشاعر الخصومة والصراع المزمنين إلى جانب الكبرياء الجريحة تجاه الحضارة التي أتى من صوبها هؤلاءالمبشرون فكان ذلك بداية جدلية غير مثمرة بين مفهومي الشورى والديمقراطية.

كاتب ليبي ـ جامعة بنغازي