يقول الشيخ د. محمد صباح السالم، نائب رئيس وزراء ووزير الخارجية في دولة الكويت في مؤتمر صحافي عقده بعد انتهاء الاجتماع الخامس للسفراء الكويتيين بأن زمن البلطجة انتهى، في إطار حديثه عن نهج جديد في العمل العربي الذي يستند بشكل أساسي إلى الشرعية الدولية والقانون الدولي، والحقوق والسلوك الدولي المقبول، وأن الوقت لا يسمح بظهور زعامات مثل صدام حسين.

وفي النهج نفسه قال سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ـ أمير دولة قطر ـ في كلمة افتتاح منتدى «الديمقراطية والتجارة الحرة»: «بأن المواطن الآمن هو الذي يبني الوطن الآمن.

وأن الوطن الآمن بدوره هو الذي يرسي دعائم نظام إقليمي ينعم بالأمن والاستقرار وأن الأمن المنشود لا يكتمل إلا بتقدم الديمقراطية لأن المنطقة بحاجة ملحة إلى أن تستكمل مشروعاً كبيراً انطلقت من أجله، وعليها أن تمضي فيه ولا تحيد عنه من أجل مصلحتها ومصلحة العالم» مشدداً على أهمية الديمقراطية كأسلوب حياة.

هل معقول أن نصدق الشيخ الوزير الذي يعرف الكثير من عجائب الدنيا وخيانات السياسة ومفاجآت الحياة؟ وأعترف بأنني أتمنى صادقاً بأن تختفي البلطجة من مشهد الحياة السياسية.

وأن نعيش في عالم خال منها، غير أن التمنيات لا تستقيم مع الواقع، فالبلطجة جزء من الحياة، وستبقى معنا بأشكال مختلفة بسبب قدرة البلطجي على الغش والخداع والتلون، واستمرار العيش بوسائل البلطجة.

وفي النهج السياسي الذي يتحدث عنه الوزير الكويتي المطلع، ستبقى البلطجة مختفية بالمساحيق الحديثة وراء أدوات الزينة التي وفرتها التكنولوجيا الحديثة لا سيما في مجال الإعلام والاتصالات كما نراها في الفضائيات.

وتملك البلطجة آليات تطيل عمرها، وتلمع أداءها، قادرة على تفريخ أنصار البلطجة الذين نراهم الآن يكتبون متباكين على نظام صدام.

وغير تفريخ الأنصار ومحبي البلطجة، تولد البلطجة الأحزاب التي تتحكم برقاب العباد وتلاحق المساكين في أرزاقهم وتهدد أعناقهم وحياتهم عبر المخابرات وأجهزة الحزب ونظام التجسس وممارسة فنون الإبادة.

وهل يمكن لنا العيش في عالم عربي بدون بلطجة؟ ربما هذا المقصود من رواية الشيخ محمد الصباح عن تلاشي البلطجة في النظام العربي.

سنقول بعض التعليقات عن آمالنا في نهاية عصر البلطجة العربية:

أولاً: تعيش البلطجة في أجواء التوتر وحكم الاستبداد وفي مجتمعات الانغلاق، وفي بيئة اليأس والإحباط، وأكثر مشجعي البلطجة هم من البائسين الذين فقدوا روح المجابهة واستسلموا للقنوط .

وآمنوا بانسداد الطريق، ويتعاظم أعداد المصفقين والمهللين لحكم البلطجة في أجواء الفساد والرشوة وتوظيف وسائل التخدير المادي، كما نراها في هبات صدام حسين في أيام حكمه، وكما نقرأ عنها الآن في كوبونات النفط المهداة للمصفقين وللأعوان وللمحامين من عرب وغير عرب.

ونرى قدرة البلطجة على ممارسة توظيف الأموال وفق الفن المتقن في تشييد جمعيات الصداقة والشركات الوهمية مع قدرة نادرة على الاختراق والتأثير حتى وصلت إلى مكتب السكرتير العام للأمم المتحدة.

أخبرني أحد المسؤولين الكبار الذين تركوا العمل حديثاً في الأمم المتحدة بأن هناك ستة ملفات فقط تتوفر في داخلها محاضر لجنة النفط مقابل الغذاء ـ التابعة للأمم المتحدة، اختفت هذه الملفات مرة واحدة من مخازن الأمم المتحدة بدون أثر، رغم الإصرار على المتابعة من مكتب التحقيقات الأميركي.

وسألت هذا الصديق عن أسماء كانت تدافع عن الحلول السلمية مع نظام صدام، اتضح بعد ذلك بأنها ضحايا الرشوة، وكانت هذه الأسماء قريبة جداً من كوفي عنان السكرتير العام للأمم المتحدة.

ثانياً: تسيدت البلطجة السياسية الأحداث في العالم العربي، وترسخت أدواتها في بعض المجتمعات بسبب غياب النهج الديمقراطي الشفاف، المعالج للأورام والكاشف للابتذال.

نقضي على البلطجة بالديمقراطية وحدها، وبحكم القانون وعلو مبدأ المساواة وتعميق الانتماء بالمواطنة، وذخيرتها الكفاءة دون مجاملات أو استرضاءات تهدم مبدأ الكفاءة والتفوق.

وإذا كان صدام حسين مثالاً صارخاً على البلطجة السياسية العربية والسيد نورييجا زعيم بنما ـ تاجر المخدرات الذي اختطفته القوة الأميركية من كرسي الرئاسة.

ـ فهناك نماذج أخرى من البلطجة التي تمارس فيها الزعامات المحلية الأتاوات بالقوة وفوق القانون، رجال من القبائل يختطفون الضيوف، ويمارسون الابتزاز، ويضعون الشروط ، نراها في اليمن ونراها في إفريقيا وفي أفغانستان.

ثالثاً: نتحدث الآن عن الوضع العربي والإقليمي، يقول الشيخ محمد الصباح في تعليق على الأنباء حول نجاح إيران في تخصيب اليورانيوم، بأن المنطقة في حاجة ماسة لأن تكون أنظمة الأمن والسلامة للأنشطة النووية محكمة وتحت السيطرة والرقابة الدولية، وأن تتفق إجراءات السلامة والأمن مع المقاييس الدولية. يا ليت إيران تلتزم بضوابط السلوك الدولي .

نحن نرى كيف يدفع انعدام الاستقرار النفسي نحو تبني أساليب ليس فيها آداب السلوك المتزن التي نعرفها، وبصراحة أضحك كثيراً على المفردات التي يستخدمها بعض القادة الإقليميين.

وكما يقول الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ـ أمير قطر ـ في كلمته في افتتاح مؤتمر الديمقراطية والتنمية، فإن الأمان والنفس المطمئنة الآمنة التي توفرها الدولة والمحاسبة والديمقراطية هي الوسيلة الناجحة لإزالة البلطجة.

ونقرن البلطجة بمسببات القرصنة، ونرى القوات الإسرائيلية تقرصن وتقتل وتشرد وتلاحق بفنون حديثة تدافع عنها بحجة ملاحقة الإرهاب وتصفية الإرهابيين، ويعاني الشعب الفلسطيني من فنون القرصنة الحديثة في تحد صارخ للنظام العالمي الجديد الذي نحلم فيه باندحار البلطجة.

ماذا نقول عن عيدي أمين في أوغندا، وماذا عن بوكاسا في جمهورية وسط إفريقيا، وماذا عن آخرين في آسيا مثل بول بوت في كمبوديا، وماذا عن البعض في العالم العربي الذي قضوا على خصومهم بعد محاكمات مسرحية، وأنهوا حياة الكثيرين بالصمت والهدوء، سواء في المعتقلات أو في اختطافات مخابراتية من منازلهم؟

ما زلت أتذكر الصديق منصور الكخيا الذي كان زميلي في الأمم المتحدة، سفيراً مستنيراً لحكومة ليبيا، واختفى في مصر عند ذهابه لمؤتمر حول حقوق الإنسان في عملية اختطاف، وقصصا كثيرة مؤلمة علال الفاسي.

وكريم بلقاسم، وصلاح البيطار، وأخيراً الاقتصادي الإنسان رفيق الحريري، والكاتب جبران التويني من لبنان، وآلاف غيرهم أكلتهم البلطجة ودافعت عنهم أجهزة الأمم المتحدة، الغرب وليس عالم العرب.

وماذا عن بلطجة الإرهاب، سجل القاعدة والجهات والجماعات الإسلامية، نقرأ أدبيات وتفسيرات هذه التجمعات من التائبين الذين احتكموا مؤخراً إلى العقل خاصة من الذين خرجوا من منظمة الجهاد في مصر، ويأخذني العجب ونحلم مع الشيخ محمد الصباح بانتهاء زمن البلطجة من المنطقة، وسنظل نحلم إلى أن يتحقق الدعاء.

كاتب كويتي