التقارير والأخبار والتصريحات، القادمة من العراق، تفيد بأن الأزمة الحكومية باتت على قاب قوسين من نهايتها. بل التبشير بالإنفراج السياسي يذهب إلى أبعد من ذلك. فهو يتحدث عن صفقة أو رزمة كاملة من الحلول، تشمل أيضاً منصبي رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب.
نهاية هذا النفق، يقولون: صارت قريبة. الفجوات جرى تقليصها والإعلان عن الأسماء العتيدة بات على مسافة ساعات. في أسوأ الحالات لن تتعدى الـ 24 ساعة! كلام، لأول مرة يصدر بهذه اللهجة الحاسمة، ومن قوى فاعلة ووازنة في الساحة.
هذه الأزمة صار عمرها أربعة أشهر تخللتها وعود خائبة كثيرة. هل يختلف الأمر هذه المرة؟ هل نضجت طبخة التوافق العراقي، بعد رحلة شاقة من التعقيد والتدهور؟ وإذا كانت فعلاً قد بلغت هذه النقطة، فهل تأخذ طريقها بأمان وسلام من المطبخ إلى طاولة الإجماع والتوقيع؟ أسئلة تبررها السوابق والفوارق.
ما تردد، في الأيام القليلة الماضية، يحمل على التفاؤل ولو بحذر. مصادر المتحاورين تشير وبارتياح ملحوظ إلى حصول حلحلة، وتفسر ارتياحها بأن عملية الأخذ والرد، في البحث عن القواسم المشتركة، قد جرت في إطار من «التنازلات المتبادلة».
وهذا تطور جديد. فأن تسود لغة التنازل من جانب جميع الأطراف، بغية التلاقي في منتصف الطريق، معناه أن عملية تفكيك التعقيدات قد بدأت تأخذ مجراها، ومثل ذلك ليس بالأمر السهل، بمقاييس الأزمة العراقية، وبالتالي فهو سبب مشروع للتفاؤل.
على الأقل للاستبشار بأن الأجواء بدأت تشهد حالة الاسترخاء، المؤدي إلى تعزيز فرص التفاهم. لاسيما وان الحاجة لمثل هذه الفرص باتت ضاغطة على الجميع، في ضوء التردّي المريع والمتمادي، على جميع الأصعدة.
وبالتحديد الصعيد الأمني وتوسّع دائرة التهجير والتطهير العرقي والمذهبي، التي لو استمرت وتفاقمت لقضت على جميع محاولات تركيب الدولة ومؤسساتها واستعادة العراق لمقومات النهوض ولعوامل التماسك.
الكل يعرف أن هذه الظاهرة نمت وكبرت وتكاد تصبح نمطاً، في ظل الفراغ السياسي المديد. بيئة هذا الفراغ ساهمت في تمدّد وتمكين الفرق المسلحة و«الميليشيات» و«فرق الموت».
فالساحة ازداد انكشافها وسادتها مناخات الانتقام والقتل المجاني، في ظل الجمود وتعمّق الخلافات وتأزمها. والأخطر أنه بقدر ما تطول الأزمة وتغرق في المراوحة، بقدر ما تستفحل هذه الظواهر وتتحول إلى واقع مفروض يتعذر تجاوزه.
لكن السوابق تفرض التحفظ. في أقله تفرض انتظار ترجمة هذا التوافق، والموعد ليس ببعيد. فاليوم من المفترض أن يستأنف البرلمان جلسته المعلقة ـ وهي كذلك منذ أسابيع لأن مهلته انتهت والمجلس الجديد لم يلتئم بعد، المتوقع، حسب المعلومات، واحد من اثنين:
إما أن تأتي جميع الأطراف إلى الجلسة وبيدهم الاتفاق الرزمة، المطلوب من البرلمان أن يمهره بخاتم الموافقة التي يوجبها الدستور، وإما ترك الأمر للبرلمان كي يحسم بأسماء الرؤساء الثلاثة ونوابهم.
في كلتا الحالتين مطلوب «حسن النوايا»، على حد تعبير مصدر عراقي. فهي المحك وشرط اجتياز الامتحان، وإلا فإن الخيبة هذه المرة ستكون لها آثار مدمرة على العملية السياسية برمتها.
كما على مستوى الوضع السائب في العراق. فالبرلمان أمام اختبار حاسم. يكفي أن انعقاده لهذه المهمة يأتي عشية بدء المحادثات الإيرانية ـ الأميركية حول هذا الملف، من جميع جوانبه، والكرة مرة أخرى في ملعب العراقيين.