مؤشرات عديدة تدل على أن مفاوضات أبوجا بين الحكومة والحركات المسلحة في دارفور شارفت على نهاياتها، وأن احتمال الوصول الى اتفاقية سلام في غضون الأسابيع المقبلة أصبح أمرا راجحا، ومع ذلك امسكوا الخشب.

ـ كما يقول الانجليز ـ حتى لا تصيب العين الشريرة السلام في مقتل، لأن العوارض كثيرة والمزاجات متقلبة والرؤى الداخلية متقاطعة بين الأجهزة المعنية وزعماء التمرد منشقون فيما بينهم والأجندة الدولية تزيد المشكلة تعقيدا.

على رأس المؤشرات المبشرة أن الحكومة أخيرا حزمت أمرها على رؤية موحدة اشترك في صياغتها كل من رئيس الجمهورية ونائبه ومساعده السياسي والوزراء المعنيين.

وحمل هذه الرؤية الأستاذ علي عثمان ليناقشها مع النائب الأول في عاصمة الجنوب حتى تشترك الحركة الشعبية في وفد المفاوضات وتدافع عن رؤية حكومة الوحدة الوطنية على طاولة المفوضات ،فقد كانت مشاركة الحركة في الجولة الماضية أشبه بدور المراقب، وتم تصعيد قيادة الوفد الى درجة نائب رئيس الجمهورية.

ورغم أن علي عثمان كان يترأس اللجنة العليا لمشكلة دارفور الا أنه ابتعد عن المشاركة في التفاوض لأن مواقف الأطراف كانت متباعدة في مرحلة المزايدة والمساومة، وانتظر حتى وصلت المساومة درجة النضوج وجاء النداء بضرورة رفع مستوى التفاوض من الداخل والخارج.

ويقصد به تحديدا تولي علي عثمان رئاسة وفد المفاوضة الحكومي، بل ومن الحركات المسلحة نفسها التي أرهقتها مساومات مجذوب الخليفة وصبره الطويل على الاجتماعات المملة المتكررة.

واتخذ الرئيس أخيرا قراره بتكليف نائبه لقيادة المفاوضات في مرحلتها النهائية. ومهد النائب الحصيف لمهمته الصعبة بلقاء في طرابلس مع قيادتي حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة، وقال في حق منى أركوي وخليل ابراهيم كلمات طيبة ما كانت في وقت مضى تخطر في بال الحكومة.

ومن الناحية الأخرى طلب الرئيس من النائب الأول أن يكون على اتصال مكثف بالحركات المسلحة حتى يدفعها في اتجاه الوصول الى اتفاق فلا تعوّل على اختلاف بين الشريكين.

ولكن الاستعداد الأكبر كان في مجال الاتصالات الخارجية، فقد ازدحمت أجندة النائب في الأسبوعين الماضيين بمكالمات خارجية مع أوروبا وأميركا وليبيا وأبوجا وأديس أبابا امتدت حتى الساعات الأولى من الصباح، دارت كلها حول تقريب الشقة بين المتفاوضين لمعالجة مشكلة دارفور.

ويبدو أن المسرح الخارجي أصبح مهيأ وراغبا في حل سياسي نهائي لأزمة دارفور، لأن جماعات الضغط الشعبية صارت تشكل عبئا اعلاميا وسياسيا على حكومات الدول المعنية بدلا من أن تخدم أهداف الدول المحكومة بظروف الواقع الاقليمي والدولي وما هو ممكن.

أما المؤشر المهم الآخر فهو التصريح الذي أدلى به الدكتور مجذوب الخليفة في تنوير لوفد القيادات الرسمية والشعبية بأبوجا مستبقا به مجيء نائب رئيس الجمهورية، قال فيه:

لقد تم التوصل الى اتفاق مع الحركات المسلحة بشأن معظم القضايا الخلافية في المحاور المختلفة، وأن ملف الثروة قد اكتمل والمسائل العالقة وضحت فيها خيارات راجحة، وأن ملف السلطة في مرحلته الأخيرة.

وأن الترتيبات الأمنية وصلت مرحلة متقدمة تم فيها اشراك الوسطاء والشركاء بوضع الخرائط التي تحدد المواقع تثبيتا لوقف اطلاق النار بصورة قاطعة، وأنه يأمل في الوصول الى اتفاق نهائي عما قريب.

ثم هناك مؤشر القمة الافريقية الثلاثية التي ستجمع بين الرئيس أبوسانجو رئيس الاتحاد الافريقي السابق والمشرف على مفاوضات أبوجا ورئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية الذي يترأس دورة الاتحاد الافريقي الحالية ونائب الرئيس السوداني بالاضافة الى رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي وكبار المشرفين على المفاوضات وتمثيل عال من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية.

ولا يعقل أن يجتمع كل هؤلاء الرؤساء وكبار المسؤولين في بلادهم دون أن تكون «الثمرة» قد نضجت وحان قطافها، ولا أستغرب إن تم توقيع مبدئي على الاتفاق في حضور هذه الكوكبة من الشهود الكبار.

ومع ذلك ينبغي أن نمسك الخشب خوفا من العوارض والمنافسات والمتقلبات والأجندة الخفية، ولأن صياغة الاتفاق شيء وتنفيذه على أرض الواقع شيء آخر، ولأن مشكلة دارفور أكثر تعقيدا من مشكلة الجنوب.

فالعامل الاقليمي الداخلي فيها هو الأساس الذي يتمثل في قضايا الحواكير والمسارات ومواعيد المراحيل وحقوق الجماعات في غير أراضيهم والإدارة الأهلية ورتق النسيج الاجتماعي بين قبائل حملت السلاح ضد بعضها البعض والمنافسة السياسية بين القبائل والأحزاب والحركات المسلحة على السلطة الممنوحة لأهل الاقليم.

فالحركات المسلحة لا تحظى بالقبول الواسع الذي واجهته الحركة الشعبية في الجنوب بعد أن خاضت من أجله حربا استمرت 20 عاما. ونأمل أن تسود الحكمة والروح الوطنية فيتم التوصل الى اتفاقية سلام دائم يجد القبول من كل أهل دارفور.

ويتم انفاذه بصدق وجدية وأن يتعاون الجميع بعد ذلك على اقرار السلام وتثبيت أركان الأمن في كل ربوع الإقليم وذلك بردع المنفلتين والنهابين وقطاع الطرق، وبحراسة الحدود من المتسللين وتجار السلاح والمعارضين لحكومات بلادهم من داخل السودان.

كاتب سوداني