المدى الزمني الحقيقي لعملية التدمير الأميركية المنهجية للعراق ـ دولة وشعباً ـ ليس ثلاث سنوات وإنما هو 15 عاماً متصلة، والمستفيد الأكبر من العملية ليس الولايات المتحدة نفسها وإنما هي إيران.

العملية بدأت في أوائل عام 1991 بمسمى «عاصفة الصحراء» عندما حشدت الولايات المتحدة قواها ومن ورائها قوى 28 دولة. وبينما كان الهدف المعني هو تحرير الكويت من احتلال عراقي فإن القوات الأميركية وسعت نطاق الهجوم برا وجواً وبحراً لتدمير البنية الأساسية العراقية في كافة المجالات العسكرية والاقتصادية.

ولم يكد عراق صدام يسترخي نسبياً بعد أن بلغت الهجمة الأميركية الضارية نهايتها المقررة حتى وجد نفسه يدخل عهد العقوبات الاقتصادية والتجارية القاسية إيذاناً بأنه انتهى ككيان دولة.. بل وكشعب.

هكذا تلاشت أكبر قوة إقليمية في منطقة الخليج منافسة لإيران.. وبالتالي لم تضع طهران وقتاً في استثمار هذه الفرصة التاريخية حتى أصبحت اليوم عضواً جديداً في النادي النووي الدولي.. الأمر الذي يعكس سوء التقديرات الاستراتيجية الأميركية.

ولنرجع للوراء قليلاً.

من الوهلة الأولى تهيبت الولايات المتحدة الثورة الإسلامية الخمينية بعد أن أطاحت الثورة بنظام الشاه محمد بهلوي الذي كان الحليف الاستراتيجي الثاني لواشنطن بعد إسرائيل ، مباشرة على الفور قررت الولايات المتحدة محاربة النظام الجديد من أجل الإطاحة به.. فجرى وضع سيناريو يضع عراق صدام في المقدمة لشن حرب على إيران الخمينية.

كان صدام حسين جاهزاً لتولي المهمة لإدراكه أن التحول الثوري الذي حدث في إيران الشيعية يثير مشاعر شيعة العراق ضد النظام البعثي الحاكم.. وثانياً لأنه تلقى رسالة من واشنطن عبر حاكم عربي تنطوي على وعد أميركي جاد بمساعدة العراق إذا شن حرباً على إيران.

لكن بعد أن تورط صدام في الحرب التي امتدت لثماني سنوات ابتداء من عام 1980 تبين من ناحية أن المساعدة الأميركية الموعودة ليست سوى مساعدة رمزية في أفضل الأحوال.

. ومن ناحية أخرى ان الهدف الأميركي الحقيقي وغير المعلن كان إضعاف القوتين الإيرانية والعراقية معاً. فعندما مالت كفة الانتصار لصالح العراق في مرحلة ما من القتال سارعت واشنطن إلى تزويد الطرف الآخر بما احتاجه من إمدادات سلاح.

وبالفعل انتهت الحرب دون نتيجة حاسمة.. ولكن بعد أن أهلكت موارد البلدين.

الآن وبنظرة تأملية للوراء ندرك أنه لو كانت الولايات المتحدة قد ألقت بكل ثقلها لصالح عراق صدام لكانت النتيجة خروج العراق من الحرب كقوة إقليمية أولى في المنطقة بعد انكسار الشوكة الإيرانية.

وجاءت بعد ذلك حرب الخليج الثانية في مطلع عقد التسعينات وما تبعها من حصار اقتصادي وتجاري وحملة الغزو الأميركي في عام 2003 لتقضي على العراق قضاء مبرماً ليس فقط كقوة إقليمية وإنما أيضاً كدولة.

وهكذا لمدى 18 عاماً منذ عام 1988 أتيح لإيران مناخ مواتٍ لإعادة بناء نفسها في هدوء وأمان اقتصادياً وعسكرياً إلى أن اكتملت لديها كافة مقومات القوة الإقليمية المدعومة بالتكنولوجيا النووية.

والآن لا يبقى لدى أميركا إلا أن تلوم نفسها.