من شاهد رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية على شاشة التلفاز يوم الجمعة الماضي، وهو يخطب في المصلين في غزة، أدرك على الفور معنى كلمة «الخنق السياسي» التي يمكن أن يتعرض لها أي نظام أو حكومة ترفض دخول بيت الطاعة السياسي وفق كراسة الشروط الأميركية الإسرائيلية.
وهي حالة تكررت كثيراً على المستوى العربي، سواء في العراق إبان حكم صدام حسين، أو مع سوريا حالياً، وفي السابق مع لبيبا والسودان، قبل أن يتصالحا مع الغرب كل بطريقته الخاصة.
فهنية الذي بدا غاضبا على غير عادته، تخلى عن هدوئه الدائم ولغة خطابه البعيدة عن التشنج، وتحدث على نحو حاد قائلا:« إن الموقف الغربي والتحالف غير المقدس الذي تقوده الإدارة الأميركية لمواجهة الشعب الفلسطيني وحكومته المنتخبة والشرعية التي خرجت من رحم المعاناة ومن رحم الشهداء، ومن رحم الصمود والمقاومة، ومن رحم الحقوق والثوابت، لن يكون مصيرها سوى الفشل».
وأضاف: «سنأكل الزعتر والملح والزيتون ولن نطأطئ الهامات إلا لله رب العالمين.. ولن نهون ولن نتراجع». واعترض على محاولة الرئاسة الفلسطينية سحب الكثير من صلاحيات حكومته قائلا :
«بسحب الصلاحيات ستصبح الحكومة الفلسطينية معلقة في الهواء ولا مسؤولة عن سلطات، وتصبح هكذا فقط مسؤولة أمام الشعب عن دفع الرواتب .. أنا مش طرطور ولا الوزراء ولا الحكومة، هذا شعب اختار حكومته وعلى الجميع أن يحترم إرادة الشعب».
هذه اللغة المفاجئة للكثيرين، تقف خلفها مبررات كثيرة، أهمها أن« التحالف غير المقدس » الذي أشار إليه هنية، يسعى إلى خنق هذه الحكومة ماليا، ليثور عليها الشعب الفلسطيني ويسقطها سريعا، لعدم تمكنها من الوفاء بأقل التزاماتها تجاهه، وهي بالطبع توفير ابسط الأسس للحياة الكريمة.
وهي أمور أن بدت صغيرة للجميع، إلا أنها تشكل معضلة كبرى لحكومة هنية، التي ورثت خزينة خاوية، وديونا تصل إلى 750 مليون دولار للداخل.
وأكثر من مليار ونصف للخارج، وسط وقف تام للمساعدات الغربية وتجميد إسرائيل للأموال المستحقة للسلطة الفلسطينية من عائدات الضرائب، إضافة إلى عدم وفاء الكثير من العرب بالتعهدات المالية التي قطعوها على أنفسهم.
واكتفاؤهم بإطلاق حملة شعبية للتبرعات، وهو أسلوب أن بدا معبراً عن التضامن، إلا أنه في الواقع دليل إدانة للنظام العربي الذي يقف متفرجا على شعب يتم خنقه وتجويعه، لا لذنب ارتكبه، بل لممارسته حقه الديمقراطي بشكل حر غير معتاد في هذه المنطقة.
هنية يشعر انه مخنوق أيضاً، لأن مؤسسة الرئاسة تصدر يوميا قرارات ومراسيم تحد من صلاحيات حكومته، وهو امر نعتقد ان الرئيس محمود عباس «أبومازن » لا يمارسه بسوء نية.
بل لإدراكه ضرورة ان يكون هناك نوع من التصالح والتوازن مع المجتمع الدولي، الذي يفرض عليه شروطاً قاسية لمواصلة دعمه للفلسطينيين، ومن ثم لا ضرر في ان يجور قليلا على حقوق «الاخوة » ضماناً لكي لا يضرب هذا الشعب رأسه في الحائط من دون ان يقف معه احد.
سبب اخر يمكن ان نبرر به غضب هنية، وهو إدراكه ان أطرافاً عربية تدفع به او بالأحرى بحركة «حماس » الى هاوية الانتحار السياسي، عبر الضغط عليها للاعتراف بإسرائيل.
والبحث عن مخرج «جهنمي» لهذه المعضلة، بالإيحاء لجماعة الإخوان المصرية « الأب الروحي لحماس » بإطلاق فتوى تسمح للحركة بهذه الخطوة،انطلاقا من مبدأ «الضرورات السياسية تبيح المحظورات الدينية والفكرية»، لكن «حماس » لا تزال مقتنعة بأن «إسرائيل غير معروفة الحدود حتى هذه اللحظة والاعتراف بها هو اعتراف بشيء مجهول..
ولا نعرف هل سيكون وفق القرار 181 أم قرار 242 أم حسب خريطة الطريق او حسب خطة اولمرت أو ربما تكون هناك خطة جديدة أخرى ستفرض على المنطقة» كما يقول الناطق باسم كتلة الحركة في المجلس التشريعي صلاح البردويل.
مشكلة «حماس» الآن، هي ان الجميع يطالبها بأن تختار بين خيارين كلاهما نتيجته واحدة، الأول الانتحار السياسي عبر الاعتراف بإسرائيل والتنازل عن بزة المقاوم وفكره وأحلامه الثورية التي جاءت بها إلى الحكم، والثاني الخنق السياسي والعقاب الاقتصادي لشعبها جراء رفضها الخيار الأول، إذ ان شروط « لعبة السياسة» تفرض عليها تنازلات لا تستطيع القيام بها.
ومن ثم فإن المطلوب الآن عربياً على وجه التحديد، هو عدم المساهمة في خنق او انتحار حكومة هنية سياسياً، لأن نجاح تجربتها ربما يغير كثيراً من قواعد وشروط حل الصراع مع إسرائيل.
وبالتالي فيجب عدم الاقتصار على إطلاق حملة للتبرعات الشعبية، بل الوفاء بالتعهدات المالية للشعب الفلسطيني الذي يكفيه ما يعانيه من قهر على أيدي الجلاد الإسرائيلي.