ـ انطوى القرار الأميركي بإطاحة النظام البعثي في العراق بالقوة على قفزة في الفراغ وبني على تقديرات ومجازفات كبيرة وما زال المشروع كله مهدداً حتى الآن بأن يتحول إلى انفجار مدو يتجاوز حدود العراق، لكن ما يبدو في الوقت نفسه أن القرار استند إلى إدراك شبه دقيق للنتائج الإقليمية التي ستترتب عليه.
وبالتالي فإن المشهد في العراق من العنف والانسداد السياسي ليس سوى جزء من ميدان حرب كبيرة جدا يمتد من المغرب إلى أفغانستان. صحيح أن الرصاص يسمع في بغداد وكابول ودارفور.
ولكن التناقضات الإقليمية التي فجرها العمل العسكري الذي قادته الولايات المتحدة أكبر بكثير وأخطر بكثير ونتائجه ستكون أعمق بكثير من حجم الضحايا الأميركيين .
وهو معيار يلح عليه التيار السائد في الخطاب التحليلي العربي كنوع من التعزية ورفع الروح المعنوية، دون النظر إلى الفاتورة الإقليمية الباهظة جدا للوجود الأميركي في العراق وأفغانستان.
وصولا إلى التصريحات الأخيرة للرئيس المصري حسني مبارك حول ولاء الشيعة العرب وما ترتب عليها من تقويض اجتماع مهم لوزراء الخارجية العرب بشأن العراق.
نظرية الدومينو
والفاتورة الإقليمية الباهظة لهذا الوضع الذي أدى إليه الوجود العسكري الأميركي في المنطقة لأول مرة في تاريخ العلاقات العربية الأميركية يحتاج تقييمه التقييم الصحيح إلى شرط موضوعي هو التفرقة بين «ما نتمناه» و«ما نتبناه» .
والنظر إلى العلاقات الإقليمية قبل هذا الوجود وبعده، فالأميركيون كانوا يتحدثون عن «نظرية الدومينو» كإطار حاكم لرؤيتهم لإعادة هيكلة المنطقة وفق رؤيتهم وجاءت تداعيات الملف السوري لتؤكد صحة هذا الإطار.
وتوفر الشواهد لفكرة أن النظام الرسمي العربي حوض جغرافي تحكم العلاقة بين أطرافه الرئيسة علاقة «تساند» يؤثر فيها - ربما إلى حد الاقتراب من التصدع - زوال النظام البعثي في العراق.
فقبل الإطاحة بالنظام البعثي كان هناك توافق إيراني عراقي سوري تركي على قمع الأكراد ولكنهم تحولوا إلى رقم صعب في المعادلة الإقليمية وكابوس يهدد بتداعيات خطيرة .
وهو ما يفسر التحولات الكبيرة في المزاج السياسي التركي نحو حالة من الكراهية المعلنة للولايات المتحدة الحليف التقليدي الذي قرر التحالف مع الإسلام التركي المعتدل لتزداد الأمور تعقيداً.
ويكفي أن نستعيد في هذا السياق ما انتهت إليه المطالبات الأميركية باستخدام الجبهة التركية في عملية غزو العراق والفشل الذي آلت إليه محاولات التفاهم الأميركية التركية بسبب الملف الكردي.
وإلى جانب نظرية الدومينو وهو الأخطر والأكثر أهمية نجح الأميركيون في وضع معظم الأطراف الإقليمية في حالة تناقض غير مسبوقة في رؤية كل منها لمصالحها.
فمثلا قبل الحرب على أفغانستان كانت الأطراف الرئيسة في النظام الرسمي العربي ترفض العمل العسكري ضد أفغانستان وهو موقف جاء مناقضا للموقف الإيراني الذي اعتبر أن التخلص من طالبان مكسب مهم، ولم يكن هذا ليضع الإيرانيين في تناقض مع النظام السوري.
وعندما وصل القطار الأميركي إلى محطة العراق كانت العلاقات السورية الإيرانية تتجه نحو التناقض شبه التام حيث يعني الوجود العسكري الأميركي صعود الشيعة.
ومن ثم تقليص التوجهات القومية العربية للعراق وتصاعد النفوذ الإيراني وسرعان ما تم ترميم العلاقة بين الطرفين لكن دون القضاء على التناقضات، فاغتيال الحريري.
وما تلاه دفع سوريا بعيداً عن السعودية التي كانت عضواً رئيساً في التحالف المصري السوري السعودي الذي كان قاطرة النظام الرسمي العربي، ثم جاء المشروع النووي الإيراني ليثير مخاوف خليجية مشروعة مقابل دعم سوري وتردد مصري انتهى إلى موقف معلن يرفض حيازتها أسلحة نووية.
هل هي خلاقة؟
لم تقتصر التناقضات التي ترتبت على الوجود العسكري الأميركي في العراق على تفجير التناقضات بين الدول والقوميات بل تجاوزه إلى تغيير اتجاه الاصطفاف الطائفي فأصبح هناك شيعة ضد الشيعة وسنة ضد السنة.
ففي العراق يقف المرجع الشيعي آية الله علي السيستاني مع العملية السياسية في العراق ما يعنى القبول الصريح أو الضمني بالتعامل مع الوجود الأميركي بعيداً عن لغة المقاومة المسلحة في تناقض تام مع موقف الشرائح الأكبر من سنة العراق بينما في المقابل تشهد لبنان اصطفافا مذهبيا مختلفا .
حيث تقف الثنائية الشيعية دون مواربة مع الحلف الإيراني السوري في ما يشبه المواجهة المفتوحة مع أميركا في مقابل تحالف سياسي متعدد الأطراف يقوده السنة لا يمانع في إقامة علاقات إيجابية مع الولايات المتحدة والاحتماء بها ـ ولو جزئيا ـ لمواجهة ما يعتبره هذا التحالف مشروعا سوريا للهيمنة.
والتلخيص الأقدر على التعبير عن هذا التناقض الذي شهدته قمة الخرطوم الأخيرة بين موقفي الرئيس إميل لحود ورئيس الوزراء فؤاد السنيورة.
قد تكون هذه الفوضى التي أحدثها الوجود الأميركي في العراق منطوية على مخاطر كثيرة - أو هي بالفعل كذلك - لكنها في الوقت نفسه أحدثت شروخا عميقة في بنية التحالفات السياسية الإقليمية التي ظلت لعقود تتسم بقدر كبير من التماسك، وهو أخطر ما أنجزه الأميركيون على الإطلاق، وهي على الأرجح باقية حتى بعد رحيل الوجود العسكري.
كاتب مصري