لعلنا لا نأتي بجديد عندما نقول إن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر عام 1971 لم يكن تأسيسا لكيان سياسي يجمع عددا من الإمارات التي كانت متفرقة آنذاك فقط.
وإنما كان تشييدا لكيان اجتماعي قائم على التكافل وفق منظومة من القيم تهدف إلى تحقيق المساواة بين فئات المجتمع المختلفة، وإحداث نوع من التوازن بين مستويات المواطنين المتفاوتة التي فرضتها إمكانات كل إمارة.
وفرص الدخل المتوفرة فيها، والوضع الاقتصادي الذي لا يختلف اثنان على أنه كان ولا يزال متفاوت المستوى، لما حبا الله بعض الإمارات من ثروات لم تتوفر للبعض الآخر منها.
ولهذا كان شغل المؤسسين الأوائل الشاغل، وعلى رأسهم المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد طيب الله ثراه، هو توفير العيش الكريم لكل مواطن بالدولة من أدناها إلى أقصاها. وقد حظي القاطنون في مناطق الدولة البعيدة وقراها أو ما اصطلح على تسميتها بالمناطق النائية بالاهتمام الأكبر من قبل القائد المؤسس.
وكانت له تلك الجولات المنتظمة التي كان ـ رحمه الله ـ يتفقد خلالها أحوال المواطنين، يستقبلهم بوجهه السمح البشوش، يجلس معهم، يستمع إليهم، يتابع بنفسه أمور حياتهم.
ويوجه بإقامة المشاريع وإنشاء المرافق التي يحتاجونها؛ من مستشفيات ومدارس ومساكن ومزارع. حتى غدا رحمه الله أنموذجا ومثلا يضرب للقائد المحب لشعبه الذي بادله الشعب حبا بحب، وحجز له مكانا في القلب، وحفر اسمه في سجلّ التاريخ بحروف من ذهب.
وكان من أهم المكاسب التي لامست احتياجات شعب الإمارات، وأثّرت إيجابا في حياة فئات كثيرة من المجتمع، وشكلت إنجازا مهما في مسيرة الدولة، قانون الضمان الاجتماعي الذي نشر مظلته على أولئك الذين ضاقت بهم الحيل، وانسدت في وجوههم السبل، فعجزوا عن توفير لقمة العيش لأنفسهم، أو كانوا يعيشون في مستوى الكفاف.
ودون هذا المستوى أحيانا، على نحو لا يليق بسمعة الإمارات التي يُصنَّف مواطنوها على أنهم من أعلى الشعوب دخلا في العالم، ولا يتصور أحد أن يعيش جزء ـ حتى لو كان قليلا ـ منهم وهم يملكون بالكاد كفاف يومهم، بل لا يملك بعضهم حتى هذا الكفاف الذي يسد رمقه ويقيم أوده.
هكذا شكلت المساعدات الاجتماعية التي تقدمها الدولة إنجازا مهما من إنجازات الاتحاد، وجنّبت فئات كثيرة من المواطنين مذلة السؤال.
وساعدت المستفيدين منها على تحمل مشقة العيش في بلد يشهد كل يوم ارتفاعا في الأسعار وازديادا في أعباء المعيشة، فشلت كل جهود الحكومة في الحد منه، رغم كل الوعود التي أُطلقت، وكل اللجان التي شُكلت، لتدفع هذه الفئة ضريبة المجتمعات ذات الاقتصاد الحر المفتوح.
وبعد خمسة وثلاثين عاما من عمر الدولة، شهدت البلاد والمنطقة والعالم خلالها تحولات كثيرة، وتحققت فيها لمواطني الإمارات إنجازات كبرى، ونما الاقتصاد نموا تجلت آثاره في صعود طبقات جديدة من المجتمع، استفادت من هذه الطفرة الاقتصادية فتبدلت أوضاعها المادية والاجتماعية.
بعد هذا كله لا يستطيع أحد أن ينكر أن هناك الكثير من الأمور والقوانين التي يجب إعادة النظر فيها، ولكن بشكل إيجابي يخدم المواطن، ولا يمس شيئا من المكاسب والمنجزات التي تحققت على مدى هذه الأعوام التي جاوزت العقود الثلاثة.
وكان من هذه القوانين قانون الضمان الاجتماعي الذي يُعدُّ واحدا من أهم المكتسبات والمنجزات التي تحققت على أرض الدولة عبر مسيرة الاتحاد.
وكان الأمل أن تكون إعادة النظر في قانون الضمان الاجتماعي لصالح المواطن لا ضده، لكن ما رشح حتى الآن من أخبار حول التعديلات الجوهرية التي ستُجرى على هذا القانون لا يتوافق مع هذه النظرة المتفائلة التي كانت تلوح في أعين المستفيدين من المساعدات الاجتماعية التي توفرها مظلة الضمان الاجتماعي لهم.
في بلد يتسم بارتفاع في مستوى المعيشة لا يتناسب مع دخول كبار موظفيه، فما بالك بهذه الفئات التي لا تتجاوز دخولها بضعة آلاف من الدراهم لا تصل إلى عدد أصابع اليد الواحدة؟
مصدر هذا الإحباط هو ما جاء على لسان معالي وزيرة الشؤون الاجتماعية قبل أيام، حيث ذكرت أن أهم ما ستتضمنه هذه التعديلات هو تطبيق بند «العائل المقتدر» على جميع الفئات المستحقة للمساعدات الاجتماعية بلا استثناء.
وهي 13 فئة، بحيث تسقط المساعدة الاجتماعية عن الحالات التي يثبت أن لديها عائلا مقتدرا ملزما بالنفقة الشرعية للمستحقين من أفراد أسرته التي تقع ضمن الفئات المنصوص عليها في أحكام القانون رقم 2 لعام 2001، بشرط أن يزيد دخل العائل على ضعف قيمة المساعدة المفترضة.
كما سيتم إعادة النظر في بعض الفئات المستحقة للضمان الاجتماعي، وإلغاء بعض الفئات مثل فئة المهجورة. وهي كل امرأة ثبت شرعا هجر زوجها لها وليس لها مصدر دخل آخر.
وكذلك فئة الطالب المتزوج الذي ليس له مصدر دخل. وقد أشارت الوزيرة إلى أن هناك جهات ومؤسسات معنية أخرى عليها أن تتحمل مثل هذه الحالات ولا تتحملها ميزانية الدولة.
لا نريد استباق الأحداث، ولا الاعتراض على قوانين لم نعرف حتى الآن تفاصيلها، لكن معالمها ومؤشراتها، كما هو واضح من تصريحات معالي الوزيرة، تنذر بأن هناك ظلما وإجحافا ربما يقع على بعض الفئات ،فتُحرم من هذه المساعدة التي تُعَدُّ معينا لها على مواجهة أعباء الحياة، وإن لم تكن كافية لمواجهة كل هذه الأعباء.
فمفهوم «العائل المقتدر» من وجهة نظرنا مفهوم ملتبس إلى حد ما، بل إنه مطاط وأشبه ما يكون بالثوب الذي يمكن تفصيله على أي مقاس.
ويُخشى أن يكون استخدامه ذريعة لإسقاط المساعدة الاجتماعية سيفا مسلطا على رقاب فئات لا حول لها ولا قوة أمام سلطة الوزارة التي ستكون هي الفيصل، أو بمعنى أدق الخصم والحكم في هذا الموضوع.
فإذا كان المقصود بهذا «العائل المقتدر» هو الأب أو الابن أو الأخ، وهم الأقرب إلى المنطق والتصور، فغالبا ما سنجد هذا العائل مسؤولا عن أسرة أخرى، لا يستطيع دخله أساسا أن يفي باحتياجاتها، فما بالكم باحتياجات من ستُسقِط عنه الوزارة المساعدة التي يُفتَرض ـ من واقع اسمها ـ أنها دعم لما يقدمه له عائله الأساسي؟
أما شرط الوزارة أن يزيد دخل هذا «العائل المقتدر» على ضعف قيمة المساعدة الاجتماعية فهو شرط أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه لا يتعامل مع الواقع، لأن المساعدة نفسها ضئيلة ولا يمكن أن يقاس على قيمتها أو أن تعتبر معيارا في زماننا هذا.
تقول إحدى المواطنات على موقع البيان الإلكتروني معلقة على تصريح معالي الوزيرة إنها مطلقة، سنها 33 عاما، وأبوها لا يكترث بشأنها على الإطلاق حتى لو ماتت جوعا، فهو لا يعطيها فلسا واحدا، في حين أنها جامعية.
وتبحث عن عمل منذ ست سنوات بلا فائدة. وتتساءل: ما هذا التناقض، إن لم يكن لها عائل مقتدر فلماذا يتم إلغاؤها من الضمان الاجتماعي؟ ثم تنهي تعليقها قائلة: لا نريد الضمان الاجتماعي، ولكن هل لنا بفرصة واحدة للعمل؟
ونحن بدورنا نتساءل: ما الذي على هذه المواطنة أن تفعله؟ هل عليها أن تذهب إلى المحاكم لتشتكي أباها الذي يفترض أنه عائلها؟
وما أدرانا بمسؤوليات هذا الأب والتزاماته تجاه بقية أفراد أسرته الذين هم أولى بالرعاية والإنفاق بعد أن تجاوزت هذه الابنة المرحلة التي تلزمه بالإنفاق عليها؟
ثم ما هي الجهات والمؤسسات المعنية الأخرى التي عليها أن تلجأ إليها إذا تخلت عنها الوزارة المعنية بمساعدة المواطنين؟ هل تذهب إلى الجمعيات الخيرية، أم تمد يدها إلى المحسنين وفاعلي الخير عبر الصحف وبرامج البث المباشر، أم ماذا تفعل؟
هذا نموذج واحد نقدمه للوزارة وهي تجري تعديلاتها الجوهرية على قانون الضمان الاجتماعي، وربما كانت هناك نماذج أخرى أكثر بؤسا ومأساوية.
إن تطبيق قرار إلغاء فئتي المهجورة والطالب المتزوج سيحرم 521 حالة من المساعدات الاجتماعية ـ وفقا لآخر الإحصائيات ـ كانت تحصل على نحو 11 مليون درهم سنويا.
ونحن نقول إن المحافظة على المكاسب والمنجزات التي يعتقد المواطن أن الاتحاد قد حققها له عبر مسيرته أهم من أي وفر يمكن أن تحققه الوزارة لميزانية الدولة، خاصة إذا كان ضئيلا مثل هذا، لأننا لا نعتقد أن دولة الإمارات التي عم خيرها القاصي.
والداني تسعى إلى وفر من هذا النوع - مهما كان حجمه - على حساب فئة ضعيفة في مجتمع الإمارات القوي بتكاتف أبنائه وحرص حكامه ومسؤوليه على توفير الحياة الكريمة لمواطنيه.
إن المواطن ينظر إلى الدولة على أنها عائله المقتدر الذي يوفر له الأمان إذا ضاقت به دروب الحياة ولم يقدر على مواجهة أزماتها وحيدا. هكذا عوّده القادة المؤسسون الأوائل طيب الله ثراهم.
وعلى نهجهم يمضي الأبناء الآن، فلا تنزعوا الأمان من نفوس لم تعرف الطمأنينة والاستقرار إلا في ظل هذه الدولة التي ينعم بخيرها القريب والبعيد. وإذا كان الأقرباء أولى بالمعروف ـ كما يقول المثل ـ فإن أبناء هذا الوطن أولى وأحق بخيره. هكذا يقول العرف والمنطق، وبهذا تقضي كل قوانين الدنيا.
كاتب إماراتي
aliobaid2000@hotmail.com