في الآونة الأخيرة، حروب كثيرة انفتحت جبهاتها مرة واحدة على الفلسطينيين، تنوعت وسائلها وتعددت أسلحتها. من الترويع إلى التجويع إلى محاولات التركيع. إسرائيل تواصل قيامها بالشق العسكري ـ الاحتلالي ـ الدموي من هذه الهجمة. الغرب تولّى مهمة سدّ حنفيّة الدعم المالي.
واشنطن، كالعادة وبالإضافة إلى قطعها المساعدات، أخذت على عاتقها النهوض بالدور الدبلوماسي، فمنعت مجلس الأمن الدولي من إصدار حتى بيان غير ملزم، بإدانة الممارسات الإسرائيلية. وأخيراً انضمت الأمم المتحدة إلى الجوقة، عن طريق «تقليص» اتصالاتها بحكومة «حماس».
وبذلك اكتملت حلقة الحصار الذي بدأت أعراضه تظهر بصورة مؤذية، على الساحة الفلسطينية.
السلطة غير قادرة على دفع الرواتب للموظفين.
القدرة الشرائية هابطة بوتيرة متسارعة، المخزون للمواد الأساسية بدأ يتبخّر وإسرائيل تمعن في إقفال المعابر والمنافذ من وإلى الأراضي الفلسطينية. الوضع المعيشي بدأ، بالتالي، يتدهور وبسرعة.
المفارقة المفجعة، أنه فيما تزداد معاناة الوضع الفلسطيني الذي يتلوّى على نار أزمة اقتصادية مفروضة عليه غيلة وانتقاماً، يقوم هذا الوضع نفسه بتأجيج صراعاته السياسية الداخلية وإلى الحدّ الذي يثير المخاوف والخشية من تفاقمها واحتمالات انفلاتها إلى ما هو أسوأ وأخطر.
فهي إذا بدأت بصورة ما يمكن تسميته ب«حرب الصلاحيات» بين السلطة والحكومة، وما يمثله كلاهما من مواقع وخصومات، إلا أنها تطورت في الأيام القليلة الماضية، وراحت تتخذ تعبيرات، مفتوحة على التصعيد، الذي يتسم بطابع «تسديد الحسابات»، بين الجانبين.
فما بدا أنه تعيينات أو تغييرات إدارية، اتخذتها السلطة أو الحكومة، تحوّل بسرعة وبصوت عالٍ إلى تراشق لم يقتصر على التعنيف الخطابي، بل تجاوزه إلى حدّ الاحتكاكات المسلحة. فليس سوء تفاهم أو مصادفة أن يتأزم الخلاف بين وزيرة «حماسية» ووكيلتها «الفتحاوية» ويصل إلى حدّ استدعاء مسلحين لفضّ النزاع بالطريقة المعروفة!
كما ليس من غير مدلول أن يقوم فريق من المسلحين باحتلال مبنى الحكومة الرئيسي في رام الله، كتعبير عن الاعتراض على رفض مطالبهم.
في ذات الوقت تتوالى في غزة عمليات احتلال التلال والمواقع التي كانت تقوم عليها المستوطنات، التي رحلت عنها قبل أشهر، وذلك من جانب فصائل مسلحة بزعم أن هذه الأماكن باتت تحت تصرفها!
وإذا كانت مثل هذه الممارسات ليست بالأمر الجديد في الساحة الفلسطينية إلا أن الظرف الآن مختلف، والتوقيت ينطوي على مدلولات مقلقة. ويعزز من مثل هذا التخوف أن لغة التخاطب بين رئيس الحكومة ورئيس السلطة ـ الأول للثاني: «لست طرطوراً ـ، سادها توتر غير مألوف. على الأقل في العلن.
وإذا دلّ ذلك على شيء فهو أن درجة الاحتقان بلغت مداها. ويرافق ذلك تذمّر واعتراضات وشكاوى، تأخذ صيغة الاتهامات أحياناً، بالعرقلة والاستفراد.
الحاصل أن الصراع السياسي أخذ يتفجّر بين «حماس» و«فتح»، الأولى تعمل على تعزيز مواقعها في السلطة. والثانية لا تتردد في العمل على الحفاظ على مواقعها السابقة.
من حيث المبدأ ليس في ذلك ما يدعو إلى تسجيل المآخذ. شرط ألا تتقدم عليه أولوية أخرى وألا ينحدر باتجاه الصدام. فلا يصحّ في هذه اللحظة ولا يستقيم تأزيم الصراع إلى هذه الدرجة في الوقت الذي يختنق فيه.
أو يكاد الوضع الفلسطيني تحت وطأة الضائقة المالية ـ الحصارية التي تستهدف عموم الساحة عندما تكون أخطار كاديما على الباب وحبل الحصار يلفّ حول الرقبة، يكون على جميع الأطراف الفلسطينية، وقف مناكفاتها قبل أن تقع في فخ الغرق بأزمات الداخل، من خلال الاشتباك حول «صلاحيات» مهددة بأن تصبح وهمية.