قصتان مختلفتان.. لكنهما تكملان بعضهما البعض من حيث المغزى النهائي.

القصة الأولى تحكي موقف ذلك الطبيب العسكري الذي يعمل ضابطا في سلاح الجو البريطاني تجاه الحرب الأميركية على العراق.

لقد رفض الضابط مالكولم كيندال تنفيذ الأوامر التي صدرت إليه للتوجه مع وحدته إلى العراق العام الماضي للمشاركة في القتال مع القوات الأميركية.

وفي المحكمة العسكرية التي يمثل كيندال أمامها الآن فإنه يعلل رفضه بأنه يعتقد أنها حرب غير شرعية معرضاً بذلك نفسه لعقوبة السجن لكن دون اكتراث. وقال انه حاول في بداية الأمر ان يتقدم باستقالته من الخدمة عندما علم انه سيرسل إلى العراق لكنه أدرك ـ كما قال ـ ان واجبه هو أن يستمر في سلاح الجو وأن يرفض الأمر.

القصة الثانية تتعلق بأسطورة أسلحة الدمار الشامل لدى عراق صدام التي اتخذت منها إدارة بوش مبرر قرار شن الحرب، ورواية القصة وردت في صحيفة «واشنطن بوست».

حيث أعادت الصحيفة إلى الأذهان انه في مايو 2003 ـ بعد شهرين فقط من الغزو الأميركي للعراق ـ أكدت إدارة بوش علنا ان مقطورتين ضبضتهما القوات الأميركية في العراق كانتا مختبرات بيولوجية متنقلة حتى بعد ان حصل مسؤولون في الاستخبارات الأميركية على أدلة تفيد أن هذا الأمر غير صحيح.

وتعيد الصحيفة إلى الأذهان أيضا ان الرئيس بوش أشاد في يوم 29 مايو بضبط المقطورتين قائلا: «عثرنا على أسلحة الدمار الشامل»، لكن بعثة أميركية رسمية لتقصي الحقائق خلصت إلى ان المقطورتين لا علاقة لهما بالأسلحة البيولوجية، ومن المثير ان هذه المعلومة الخطيرة التي تنسف المبرر الذي على أساسه شنت الحرب وصلت إلى طاولة الرئيس قبل يومين من بيانه المشار إليه أعلاه.

وأضافت الصحيفة أن تقرير بعثة تقصي الحقائق حفظ كوثيقة سرية وفرض عليه تعتيم شامل، ليس هذا فحسب، بل ظلت إدارة بوش تواصل لمدى عام كامل بعد ذلك «تأكيدها» بأن المقطورتين كانتا فعلا مختبرات للأسلحة البيولوجية.

أين تلتقي قصة الضابط البريطاني مالكوم كيندال مع قصة المقطورتين العراقيتين؟

تلتقي القصتان رغم اختلافهما في حقيقة أن الحرب الأميركية على العراق غير شرعية لأن قرار شنها بني ببساطة على كذبة كبرى وأنه لم يصدر قرار أميركي لوقف الحرب حتى بعد أن انفضحت الكذبة بصورة رسمية.

لهذا نفهم قول الضابط البريطاني في المحكمة ان الولايات المتحدة هي المعادل الأخلاقي لألمانيا النازية، واستنادا إلى المغزى المشترك لهاتين القصتين فإننا نكتشف أن هناك أكثر من استخلاص واحد:

أولا: أنه لا وجود لعدالة دولية على الإطلاق. فبالرغم من التقدم المادي للبشرية فإن العالم يبقى من الناحية الأخلاقية مجتمع غاب يفترس فيه الأقوياء الضعفاء.

ثانيا: أن الديمقراطية في الولايات المتحدة بمعاني الشفافية والمحاسبة أكبر خرافة في هذا العصر، فالرئيس يكذب على شعبه في أخطر المسائل دون ان يخشى مجرد مساءلة.