بعض الدراسات الأكاديمية تشكل محطة سياسية وتصبح بمثابة مرجعية فكرية أياً كان الموقف منها عندما تطلق حواراً عميقاً أو تثير جدلاً واسعاً قد يؤدي أحياناً إلى تراشق الاتهامات، دراسة الأكاديميين الأميركيين جون ميرشيمير و ستيفن والت حول اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية الصادرة الشهر الماضي خير نموذج على هذا النوع من الدراسات،.
الدراسة التي اعتبرها أكثر الإعلام الإسرائيلي بمثابة جرس إنذار تمس إحدى المحرمات في السياسة الأميركية واحد المواضيع الأكثر إثارة من جهة وهي التي تدخل ضمن ما يعرف بـ «المسكوت عنه» من جهة أخرى باستثناء ما يقوله العرب.
وبعض الأطراف الصديقة لهم التي سرعان ما تهاجم أو تحيد باعتبارها معادية للسامية إذا ما تجرأت وتناولت هذا الموضوع الحساس جداً، الدراسة التي تقوم على مقاربة علمية رصينة في تقويمها، غنية بالمعلومات بشأن حالة لا مثيل لها في التاريخ السياسي الأميركي حسب ما تظهره وتؤكده هذه الدراسة.
ثلاث ملاحظات لا بد منها:
أولاً ـ أن «مقولة» الدراسة حول اللوبي الإسرائيلي، وليس اليهودي إذ يضم يهودا وغير يهود ولو أن المكون الأول هو الطاغي، هذه المقولة ليست بجديدة إلا من حيث عمق وشمولية مقاربتها للموضوع.
فهنالك قناعة راسخة وواسعة مبنية على العديد من الأحداث والمؤشرات المستقرة والواضحة حول موقع إسرائيل وأصدقائها في صنع السياسة الأميركية في الشرق الأوسط:
صنع الرؤية والأولويات والسلوكيات، والاختلاف متى يحصل يتناول وزن عناصر التأثير ومدى «هيمنة» هذه الأخيرة في تفسير كل جانب من جوانب هذه السياسة ومدى حتمية «العنصر الإسرائيلي» في صنع هذه السياسة .
وبالتالي استحالة التأثير به أو صعوبة أحداث بعض التغيير في وزنه، واقع هذا الأمر لا يخفف من وجود تبسيطات وتعميمات واسقاطات نابعة عن مواقف عقائدية أو ثقافوية مسبقة أحياناً أو عن جهل في التركيبة المعقدة في عملية صنع القرار في الولايات المتحدة، لا بل ان هذا الواقع الضاغط والمهيمن يساهم في نشر هذه التبسيطات والتعميمات.
ثانياً: إن مصداقية الدراسة تنبع من استحالة اتهام أصحابها بـ «جريمة الانتماء» فهم ليسوا عرباً أو من أصول عربية كما لا يمكن اتهامهم بـ «سياساتهم» فهم ليسوا «راديكاليين» أو «مشاكسين» أو «هامشيين» يبحثون عن الشهرة بل هم في صلب المؤسسة الأميركية الأكاديمية ومن الوزن الثقيل في هذه المؤسسة مما يضفي المزيد من المصداقية العلمية حول عملهم.
ثالثاً ـ تصدر الدراسة في لحظة في تاريخ العلاقات الثنائية الأميركية الإسرائيلية الخاصة والمميزة جداً، تتسم بتطابق استراتيجي سياسي شبه كلي وتوافق قيمي عقائدي قل نظيره بين الطرفين فيما يتعلق بالشرق الأوسط، في النظرة إلى المسألة الفلسطينية وفي كيفية التعامل معها وفي تعريف الإرهاب والحركات الاسلاموية.
ولعب المحافظون الجدد المرتبكون والمتراجعون بعض الشيء حالياً والقوة الضاربة في اللوبي الإسرائيلي دائماً، دوراً أساسياً في صياغة هذه اللحظة من التناغم شبه الكلي الإسرائيلي الأميركي.
ثم هنالك بعض الحقائق والمسلمات الماثلة أمام العرب والأميركيين والتي تذكر بها هذه الدراسة بقوة:
1 ـ ان سياسة أميركا الإسرائيلية تبقى المحدد الأول لصورة أميركا عند العرب ومقيداً أساسياً وعنصراً ضاغطاً في العلاقات العربية الأميركية والمفارقة المثيرة للاهتمام انه في اللحظة التي تريد فيها واشنطن بناء مصداقيتها عند العرب.
وإقامة جسور تواصل مع المجتمعات العربية، في اللحظة ذاتها اصطدمت أكثر ما يمكن بالشرعيات العربية الجامعة من خلال التصاقها بالسياسة الإسرائيلية.
2 ـ حان الوقت ليكف العرب عن سياسة المناشدة والمطالبة أو الانتقاد المفتوح والمطلق شبه التلقائي أياً كانت مشروعيته أحياناً فيما يتعلق بالسياسة الأميركية وصار عليهم الاقتناع، ولو بعد زمن طويل، بأن التغيير عملية ممكنة ولو أنها غير سهلة وأنها تقوم علي لغة المصالح وتوظيف هذه الأخيرة في صنع السياسات.
وعلى الانخراط في اللعبة الداخلية الأميركية ولو سلمنا جدلاً بالوزن الكبير لإسرائيل وأصدقائها في هذه اللعبة لأسباب تاريخية وثقافية واستراتيجية ولكن لم يعد من الجائز ترك الملعب مفتوحاً والاكتفاء بالانتقاد الكلامي والحرد ثم القبول الضمني حيناً والتردد والامتناع أحياناً.
3 ـ على هذه الدراسة أن تكون أيضاً محفزاً لحوار مفتوح ونقدي، حوار يبحث عن المشترك وإقامة الجسور حيث يمكن إقامتها بين العرب وأميركا، فلا يكتفي بثنائية تقوم على تلقائية الانتقاد السياسي الإعلامي والتعاون الصامت والخجول، فعلى العرب والأميركيين أن يتطلعوا لأن تكون هنالك علاقات طبيعية بينهم، والعلاقات الطبيعية تحمل مجالات للتوافق وأخرى للخلاف.
وذلك للخروج من حالة العلاقات المأزومة دائماً الضاغطة والمثقلة حتى في لحظات أو مجالات الاتفاق بسبب الصورة السلبية المستمرة للولايات المتحدة.