أرجو ألا نتوقف كثيراً عند تصريحات مثيرة للجدل، ثم نترك الجناة الحقيقيين في حق هذه الأمة ومستقبلها يواصلون جرائمهم، ونترك الواقع العربي يمضي طريقه من سيء إلى أسوأ.
قد تكون تصريحات الرئيس مبارك عن الأشقاء من العرب الشيعة وعلاقتهم بإيران حادة وصادمة حتى وإن كان القلق مما يجري في العراق هو دافعها.
ولكن التعامل مع هذه التصريحات لا ينبغي أن يكون في إطار أنها تعكس موقفاً مصرياً مبدئياً يساعد على إثارة الفتنة ويضاعف من مخاطر الحرب الأهلية داخل العراق أو خارجها كما يزعم البعض. فمن المحقق أن موقف مصر لا يمكن أن يدخل في هذا الإطار.
ولن تستطيع قوة خارجية أو داخلية أن تجعلها تتخلى عن ثوابتها التاريخية كقوة تعلو على الصراعات الطائفية وتكرس منهج الوحدة الوطنية إلى الحد الذي يجعل أقباط مصر يرفضون اعتبارهم أقلية.
وينطلقون من الأمر الواقع الذي ترسخ مع ثورة 19 في القرن الماضي حين تعانق الهلال مع الصليب في شعار الثورة الذي أكد أن «الدين لله والوطن للجميع». وبعدها رفض الأقباط أن تكون لهم حصة في مقاعد البرلمان ليكون وجودهم السياسي هو قرار المسلمين والأقباط معا.
ورغم التراجع الذي شهده هذا المناخ في السنوات الماضية فمازال الكل يتعامل مع هذا التراجع على أنه استثناء لابد أن يتم تصحيحه حين تعود الحياة للشارع السياسي وللأحزاب التي تمثل اليسار والليبراليين والقوميين، وينتهي الواقع الحالي الذي لا يمثل الوجه الحقيقي لمصر والذي يستمر فيه حزب الحكومة في الواجهة وفي المواجهة مع الأخوان المسلمين.
وهي مواجهة يدفع ثمنها المسلمون والأقباط معاً بغياب الأحزاب القادرة على تمثيل الوجه الحقيقي لمصر، وهو غياب لا يمكن أن يطول لأن غيابه سيؤدي إلى كارثة.
ومصر أيضا لا تعرف الفتنه بين الطوائف الإسلامية، والحركات المتطرفة التي عرفتها والتي ارتدت زي الإسلام لم تكن تنطلق من صراع مذهبي، بل من صراع سياسي حتى وإن انطلق من تكفير المجتمع كله، ولم تستطع هذه الحركات أن تحدث انقساماً في صفوف المسلمين، بل - على العكس من ذلك - وحدتهم جميعاً في مواجهة خطر الغلو والتطرف.
ومصر التي لم تعرف صراع الفرق الإسلامية كانت على الدوام تسعى للتقريب بين المذاهب، ورغم أن الوجود الشيعي كان ومازال ضئيلا للغاية في مصر، فإنها - وهي المجبولة بحب آل البيت - كان لابد أن تحتضن الدعوة للتقريب بين السنة والشيعة.
وفي هذا المجال فلا يمكن أن ننسى جهود الأمام الأكبر المجدد العظيم محمود شلتوت قبل نصف قرن والذي أشرف على مصالحة فقهية أنهت قطيعة استمرت طويلاً وتركت آثارها على العالم الإسلامي، حتى وإن كانت مصر - بحكم نسيجها المتآلف - لم تعرف شيئاً من هذه الآثار السلبية.
سياسياً كانت مصر البعيدة عن الطائفية صوتاً يدعو على الدوام للاعتدال والمصالحة، وساعد على ذلك انه ما ان حصلت على استقلالها حتى أصبحت مركزاً للحركة القومية التي قادها عبد الناصر والتي كانت بطبيعتها دعوة تحتوي الجميع من السنة والشيعة.
ومن المسلمين والمسيحيين، بل وكانت تدرك أن هناك قوميات أخرى في الوطن العربي لابد من احترامها وضمان حقوقها.. من الأكراد إلى الجنوبيين في السودان وغيرهم.
كانت العروبة قادرة على احتواء الجميع، ومازالت العروبة قادرة على ذلك، ومن هنا كانت الحرب ضدها والتي استخدمت فيها كل الوسائل.. من الحروب العسكرية كما حدث في حروب 56 و67 إلى الضغوط السياسية والاقتصادية،إلى الحصار والتآمر.
واستخدام الإسلام السياسي لمواجهة العروبة التي اتهمت بالكفر والإلحاد لأنها اضطرت لاستخدام السلاح السوفييتي في مواجهة العدوان الإسرائيلي والتهديدات الأميركية !!
و القصة تستمر فصولها منذ خمسين عاما واكثر.. سياسة أميركية معلنة وثابتة بأن وحدة العرب خطر على مصالح أميركا التي تم تلخيصها في هدفين : الحصول علي البترول العربي بأرخص الأسعار وافضل الشروط، وضمان التفوق التام لإسرائيل على كل الدول العربية.
ومن حلف بغداد في الخمسنيات إلى احتلال بغداد قبل ثلاث سنوات كان الهدف واحداً وهو تكريس التجزئة وضرب أي محاولة للعمل المشترك وصولاً إلى إلغاء «العروبة» نفسها من القاموس وإدخال العرب في كيان مشترك موسع تكون السيطرة فيه للقوى الإقليمية غير العربية والمرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالاستراتيجية الأميركية.
ومنذ اللحظة الأولى أعلنت أميركا أنها ستصنع من العراق نموذجاً للنظام الذي تريده ليجري تعميمه علي باقي الدول العربية، وإذا كانت الديمقراطية هي الشعار الذي أريد به أن يكون «الغطاء والستر» للأهداف الحقيقية، فإن الواقع منذ اللحظة الاولى أيضا كان يشير إلى المستقبل الذي يراد للعراق والعرب.
فقد تم تفكيك الدولة وضرب كل الأجهزة الفاعلة فيها، وتسليم الأمور إلى ميليشيات طائفية. ورفضت القيادة الأميركية منذ البداية أي حل يقوم على وحدة العراق وتم تشكيل مجلس الحكم على أسس طائفية بحته،وتم اختراع«الزرقاوي» لضرب سمعة المقاومة الوطنية ولإلصاق تهمة الإرهاب بالسنة.
وليكون الرد عليها من الميليشيات الشيعية وفرق الموت التي تعمل تحت إمرة قيادات حكومية، ولينتهي الأمر بأن يوضع مستقبل العراق على مائدة المفاوضات الأميركية - الإيرانية ومع غياب أو غيبوبة عربية كاملة !
إن وزيرة الخارجية الأميركية تتحدث عن آلاف الأخطاء «التكتيكية» ولكنها تتمسك بصحة الهدف «الاستراتيجي» من غزو العراق. والهدف الاستراتيجي لم يكن أبدا يتعلق بالمزاعم حول أسلحة الدمار الشامل أو بالتهويل في القوة العسكرية العراقية.
وإنما الهدف كان «تدمير» العراق وتفكيكه ووضعه على طريق التقسيم العرقي والطائفي، وهو أمر لن يتم في النهاية (إذا تم لا سمح الله ولا سمح شعب العراق) إلا بالاحتراق في أتون الحرب الأهلية المدمرة.
ما يجري في العراق يجري بصورةأو بأخرى في السودان، ويتم التخطيط لتفجيره في لبنان، ومن المؤكد أن ما جرى الكشف عنه من مخطط لاغتيال حسن نصر الله كان المحطة الأساسية الثانية في هذا الطريق بعد أن قاد اغتيال الحريري لبنان إلى أزمته الحالية وبعد أن فشلت - حتى الآن - كل المحاولات المشبوهة لإشعال الحرب الأهلية مرة أخرى على أن تكون هذه المرة حرباً إسلامية - إسلامية.. أي بين السنة والشيعة.
إنه هدف أساسي من غزو العراق ومن الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، وقد سبق أن وضع أسسه النظريه محور الشر الذي يتحكم في القرار الأميركي متأثراً ببعض العراقيين والعرب المرتبطين بالمخابرات الأميركية والذين كانوا يدفعون نحو «توريط» أميركا في غزو العراق وتسويق مشروعهم بأن ذلك سيضمن السيطرة على البترول.
وسيتم تأمينه بالتحالف مع « الشيعة» وتكوين محور يمتد من طهران حتى لبنان في مواجهة التطرف الإسلامي الذي يمثله بن لادن وبعده الزرقاوي ويلصق زوراً بالعرب والمسلمين السنة !
هذه الأكذوبة التي تتناقض مع التاريخ وتختلف مع الواقع كان محور الشر المتحكم في القرار الأميركي بزعامة تشيني ورامسفيلد مستعداً لقبولها وتسويقها بهدف غزو العراق خدمة لمصالحه ومصالح إسرائيل.
ورغم ان شعب العراق العظيم مازال صامداً في مواجهتها، فإن الجهود لا تتوقف من اجل الدفع إلى الصدام الشامل، والميليشيات المشبوهة تعمل على تفجير الموقف، والأساس الطائفي الذي أصرت عليه أميركا وهي تفرض رؤيتها للعملية السياسية يحاصر التيارات المدنية ويراهن القرار السياسي للمراجع الدينية على هذا الجانب أو ذاك.
إن الموقف لن يحل بمفاوضات أميركية - إيرانية، بل بإنهاءالاحتلال ورفع القوى الخارجية أيديها عن العراق، وترك شعبه الصامد العظيم يستعيد وحدته الوطنية ويبني نظامه الجديد على أساس المواطنة لا على أساس الطائفية أو العرقية. والمهمة صعبه والطريق مليء بعوامل الانفجار، ولكن شعب العراق قادر على عبور هذا الموقف بكل تعقيداته.
ومهمتنا - في كل أنحاء العالم العربي - أن نقدم العون ونمهد الطريق للقاء كل القوى الوطنية على هذا الهدف، وأن نقاوم التدخل الأجنبي الذي لن تكون له من نتيجة إلا تأجيج الحرب الأهلية وتدمير ما تبقى من العراق الشقيق.
إنهم يريدون تثبيت هذا النموذج الطائفي في العراق ثم تصديره لباقي المنطقة، فليكن الرد هو تثبيت نموذجنا في الوحدة الوطنية التي حافظنا عليها في كل أقطارنا العربية في كل الظروف.
ورغم كافة التحديات، ثم دعم نضال شعبنا في العراق لكي يسقط هذا النموذج الذي فرضته أميركا وترعاه الميليشيات الطائفية، ولكي يعيد بناء نظامه السياسي على أساس المواطنة وبمشاركة كل أبنائه.
.. ومن حق الشركاء في الوطن أن يغضبوا من أي حديث عن ولاء لغير وطنهم، ومن حق الأشقاء من الشيعة العرب أن يعتبوا على أي تصريحات لا تضع عروبتهم فوق أي اعتبار.
ولكن ذلك كله لا يجعلنا نغمض العيون عن الخطر الماثل في العراق والذي لا يستهدف العراق فقط، بل يريد من خططوا له وأشرفوا على تنفيذه أن يجر العالم العربي وبعده العالم الإسلامي إلى جحيم الحروب الأهلية الطائفية.
ومن حقنا جميعاً ونحن نرى مستقبل العراق موضوعاً على مائدة التفاوض بين أميركا وإيران أن ندرك فداحة الجريمة التي ارتكبها من «بشروا !! » بنهاية العروبة، ومن واجبنا أن نستخلص الدرس وأن نلمح الأيجابيات في ردود الفعل على تصريحات الرئيس مبارك حين يعود الجميع إلى «عروبتهم» التي لم تغادرهم يوماً !!
نقيب الصحافيين المصريين
