تتخذ سياسة ازدواجية المعايير التي تعتمدها الولايات المتحدة الاميركية منحنيات تدعو الى الأسف، واحيانا يكون الموقف الازدواجي وليد لحظة واحدة، أو يوم عمل واحد في أروقة السياسة الأميركية، ففي الوقت الذي كانت تطالب فيه كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الاميركية مجلس الأمن بإصدار قرارات متشددة ضد ايران تعطي الفرصة لتدخل عسكري حتى لو على محمل تأويلي كما حدث إبان غزو العراق.

نجد جون بولتون مندوب واشنطن في الأمم المتحدة يعطي تبريرا واهيا لمساعي واشنطن نحو عرقلة اي مشروع قرار في مجلس الأمن يدين اسرائيل على اعتداءاتها المتوالية على الشعب الفلسطيني.

وقبل ذلك كان مسؤول اميركي يربط قطع المساعدات عن الشعب الفلسطيني بالحفاظ على حقوق دافع الضرائب الأميركي والحيلولة دون وصولها الى جماعات ارهابية على حد قوله، فهل هذا الكلام نفسه يمكن ان يقوله مسؤول اميركي عند الحديث عن الأموال الاميركية التي يدفعها دافع الضرائب الاميركي لشراء اسلحة فتاكة يستخدمها جيش الاحتلال الاسرائيلي في قتل اطفال ونساء فلسطين؟

وها نحن نجد أنفسنا مرة أخرى في مواجهة قضية ازدواجية المعايير التي صارت سمة مألوفة في عصرنا الى حد ان الناس ملوا استخدام المصطلح لتكراره المتعدد على الألسنة وفي المقالات، وربما هي خطة مدروسة أن يتكرر المصطلح حتى يمل العالم تكراره في كلامه بينما هو يمارس ممارسة عملية على الأرض.

نحن نشعر ويشعر معنا العالم المتحضر ان الشعب الأميركي (دافع الضرائب) لا يقبل هذه الازدواجية في التعامل مع أمواله التي يتم جبايتها لصالح إسرائيل.

لكن لا نجد على المشهد الاميركي من يجرؤ على مخالفة أنصار اسرائيل في الولايات المتحدة، بقدر ما نجد كثيرين يضربون عرض الحائط بمشاعر المواطن الأميركي الذي يرفض قتل الأبرياء في فلسطين بلا مبرر، وتصديق مزاعم اسرائيل التبريرية بأن أعمالها العسكرية ما هي الا محاربة للارهاب.

ويشير استطلاع للرأي اجري هذا الشهر ارتفاع نسبة الاميركيين الذين يرغبون في ان تخفف بلادهم من التدخل في الشؤون الداخلية للشعوب الاخرى، وبالقطع ينسحب هذا على شعوب الشرق الاوسط وبينها الشعب الفلسطيني الذي اختار قيادته اختيارا حرا مباشرا.

ومع ذلك تعاقب الادارة الاميركية هذا الشعب على اختياراته بقطع المساعدات ودعم العدوان الاسرائيلي وتقديم مظلة حماية لهذا العدوان الغاشم في مجلس الأمن باستمرار.

ومن ازدواجية المعايير التي أمكن رصدها خلال اليوم نفسه محاكمة طبيب بريطاني لانه رفض الخدمة العسكرية في العراق باعتبار ذلك عصيانا للأوامر، لكن لوائح محكمة الجزاء الدولية لا تبرئ متهما بارتكاب جرائم حرب لمجرد قوله انه ينفذ الأوامر، اي ان المعيار الاخلاقي الفردي هو الذي يملي على الانسان الامتناع عن ارتكاب جرائم بحق الانسانية، فما بالنا بحرب تم شنها بشكل غير قانوني في الأساس وهي الاساس الذي يدافع به الطبيب البريطاني عن نفسه ضد الاتهامات الموجهة إليه.

إن ازدواجية المعايير الممارسة في عالم اليوم تقلل كثيرا من الاعتبارات الانسانية في السلوك الفردي او الرسمي على السواء، وأصبحنا في حاجة الى يقظة ضمير من نوع جديد لوضع حدود واضحة بين ما هو مشروع وما هو غير مشروع في التعامل مع القضايا ذات البعد الإنساني.