لعلها لم تكن مجرد مصادفة لها دلالتها أن يكون التاسع من أبريل الذي يمثل للعرب والمسلمين ذكرى واقعة احتلال بغداد وإسقاط حكومة صدام بالقوة العسكرية للأميركيين واتباعهم من السياسيين البريطانيين والإيطاليين،
هو التاريخ ذاته الذي يمثل للإيطاليين اليمينيين وللأميركيين المحافظين واقعة صحوة روما وإسقاط حكومة بيرلسكوني بالقوة الشعبية الإيطالية من اليساريين وحلفائهم المستقلين والمناهضين للحرب ضد العراق.
ومع الذكرى الثالثة لغزو العراق الذي وقع بغير سند من أي شرعية، وبينما يترنح المشروع الاستعماري الأميركي ويواجه شبح الهزيمة والسقوط بإرادة عربية ودولية وعراقية، يترنح بالتالي اتباع هذا المشروع ويواجهون الهزيمة والسقوط بإرادة الغالبية من الشعوب الأوروبية والأميركية.
وبعد الإعلان عن فوز «رومانو برودي» عالم الاقتصاد الإيطالي والسياسي الأوروبي المناهض للحرب على العراق، والمتوازن في التعامل مع القضايا العربية والإسلامية، والمناصر لقضايا التنمية والتحرر في العالم الثالث،
والمدافع عن الحوار بين الثقافات معبراً عن ائتلاف يسار الوسط، وبعد هزيمة خصمه اللدود «سيلفيو بيرلسكوني» رجل الأعمال التقليدي، والملياردير الإيطالي المشارك في العدوان على العراق بثلاثة آلاف جندي، وصاحب زلات اللسان المتتالية بالإساءة إلى القضايا العربية والإسلامية،
والمناهض مع بعض المتطرفين من وزرائه للحوار بين الحضارات، معبرا عن ائتلاف يمين الوسط، يبدو واضحا الآن أن الرياح التحررية تجري بما لاتشتهي السفن العدوانية، وأن الرياح الشعبية الأوروبية تجري بما لاتشتهي السفن الرسمية الأميركية، وأن إرادة الشعوب الديمقراطية قادرة على عقاب الإرادات الحاكمة الديكتاتورية،
خصوصا أن هذا الذي يجري اليوم في إيطاليا مع «بيرلسكوني» سبق وأن جرى بالأمس مع «أزنار» في اسبانيا والأزمات التي تحاصر الحليف الثالث «بلير» اليوم، تنذر بسقوط أبرز توابع الزلزال العراقي غدا في بريطانيا.
وعندما وقف «برودي» في ساحة «الجماهير» في روما قبل الانتخابات يعلن برنامجه الانتخابي ومؤكدا عزمه على سحب القوات الإيطالية من العراق إذا فاز في الانتخابات، فإن الفوز الذي تحقق يعطي دلالة على تأييد أكثر من نصف الجماهير الإيطالية لقرار الانسحاب ،كيف لا ؟
والاستطلاعات أشارت إلى أن قرار «بيرلسكوني» بالمشاركة بقوات إيطالية في الحرب تم برغم معارضة ثلاثة أرباع الشعب الإيطالي! إن ما حدث اليوم في روما هو نفسه ماحدث بالأمس في مدريد، والمتوقع أن يحدث غدا في لندن، حينما أعلن «ثباتيرو» زعيم الائتلاف الاشتراكي،
للشعب الإسباني عن برنامجه الانتخابي الذي يؤكد أن أول قرار لحكومته إذا فاز في الانتخابات سيكون سحب القوات الإسبانية المشاركة في الحرب على العراق، وكان فوزه تأييداً من الجماهير لسحب تلك القوات التي أرسلها «أزنار» برغم المظاهرات المليونية الاسبانية المعارضة للحرب الأميركية ضد العراق.
لقد بدا اليوم وجه جديد لإيطاليا يشير إلى أن إيطاليا الاستقلال اليوم غير إيطاليا التبعية بالأمس، ووجه الديمقراطية اليوم غير وجه الكومبرادورية بالأمس، وسياسة أبرز علماء الاقتصاد اليوم،
غير سياسة أبغض رجال الأعمال بالأمس، وكسب تأييد الجماهير يتم بسياسات اقتصادية رشيدة واجتماعية عادلة، لا بسياسات رأسمالية لمصالح بيرلسكونية غير شعبية، ولا يشتري بالأموال وإنما بالأفعال قبل الأقوال.
لقد كان «برودي» الذي يمثل الطريق الثالث بين الرأسمالية في صورتها المتوحشة وبين الشيوعية في صورتها المتطرفة، والذي فاز اليوم على الصورة المتوحشة قد خسر بالأمس في مواجهة الصورة المتطرفة،
فعندما كان رئيسا للحكومة الإيطالية لم تنل الميزانية التي قدمها للبرلمان الإيطالي التأييد بفارق صوت واحد، ذلك أن الشيوعيين في البرلمان حشدوا ضده جميع المعارضين بسبب ارتفاع الضرائب وضعف الضمانات الاجتماعية لمحدودي الدخل فاستقال الرجل.
لكنه بعد ذلك انتخب رئيسا للمفوضية الأوروبية التي تمثل حكومة الاتحاد الأوروبي. في أعقاب إنهيار المفوضية السابقة باستقالة جماعية لعشرين مفوضاً ثم باستقالة رئيس المفوضية بسبب قضايا فساد، ووجد الرجل نفسه أمام عملية إعادة بناء كبيرة،
ونجح في أن يعطي وجهاً أكثر إشراقاً للاتحاد الأوروبي في فترة مسؤوليته، وعبر عن سياسة شبه مستقلة عن السياسة الأميركية على أساس مبدأ التحالف لا التبعية، وخطى بإيجابية نحو العالم العربي وحوض المتوسط وإفريقيا .
لقد كان له موقف متوازن تجاه القضية الفلسطينية يقوم على عدم الاعتراف بتجاوز إسرائيل لحدود 67 من جانب واحد ومالم يكن ذلك نتيجة لاتفاق عن مفاوضة مع الفلسطينيين، كما كان مع حل قيام دولتين آمنتين ومسالمتين .
وكان له باسم المفوضية الأوروبية موقف واضح ضد العنصرية والتمييز ضد المهاجرين العرب والمسلمين في أوروبا، رابطا بين المظالم التي تقع في الشرق الأوسط في فلسطين والعراق وبين التطرف وعمليات الإرهاب في أوروبا،
وعندما أظهر استطلاع للرأي أن نحو 60% من الشعوب الأوروبية تعتبر أن إسرائيل هي مصدر الخطر الأول في العالم، رفض محاولة اليهود الأوروبيين والأميركيين عقد مؤتمر للطوائف اليهودية لمحاولة فرض قرارات أوروبية لصالح اليهود تحت مزاعم حمايتهم مما يطلق عليه العداء للسامية،
وفي مواجهة الضغوط الإعلامية التي تقف وراءها منظمات صهيونية عبر «برودي» عن رفضه لهذه الحملات رافضا ممالأة المتطرفين قائلا إن التطرف اليهودي ليس أقل خطرا من التطرف الإسلامي أو المسيحي، وعندما واجهت الجاليات الإسلامية في أوروبا مرض «الإسلاموفوبيا»،
وخرج بعض السياسيين أو الإعلاميين الأوروبيين بمن فيهم بيرلسكوني ووزير إصلاحاته على الناس بإساءاتهم وتشويههم للدين الإسلامي دعا برودي إلى عقد مؤتمر حول الإسلام في أوروبا لكبح هذه الحالة المرضية من العداء.
كما يذكر لبرودي القيام بمساعيه الحميدة لرفع العقوبات الأوروبية ضد ليبيا وذلك قبل أن ترفع واشنطن العقوبات الأميركية، بل ووجه الدعوة للزعيم الليبي معمر القذافي لزيارة تاريخية للبرلمان الأوروبي وإلقاء كلمة فيه لإزالة الجفاء الليبي الأوروبي.
..هذا هو «رومانو برودي» الوجه الجديد لإيطاليا التي شاركت في العدوان على العراق في ( التاسع من أبريل )عام 2002، والذي سيسحب القوات من العراق تحسينا لوجه إيطاليا وإصلاحا لصورة أوروبا، بعد أن ألحق «بيرلسكوني» صديق إسرائيل وتابع أميركا الضرر بإيطاليا كما ألحق الضرر بأوروبا،
هذا هو الوجه الذي أطل على العالم بوجه أكثر إشراقا في (التاسع من أبريل ) عام2006 ليحاول إعادة رسم السياسة الإيطالية من جديد لتكون الأكثر استقلالية والأقل تبعية للسياسة الأميركية، والتي عبر عنها المسؤول السياسي عن العلاقات العربية في ائتلاف يسار الوسط قائلا «يجب إعادة النظر في هذه السياسة الكارثية التي عادت بالوبال على مكانة إيطاليا في العالم،
كنصيرة لتحرر الشعوب والانعتاق من نير الاستعمار، خصوصا وأن الشعب الإيطالي عارض الحرب ضد العراق، وهذه الانتخابات قالت كلمتها لسحب القوات من العراق» ...هذه هي آخر طبعة للصورة الأوروبية .. ترى ماهي آخر طبعة للصورة العربية ؟
mamdoh77t@hotmail.com