كانت السنوات الأولى لإنشاء مصنع الإنسان في الإمارات، ذات طعم خاص، حيث إن اللبنة الأولى نحو التعليم العالي، وضعت على أرض الوطن. جامعة وطنية يجتمع فيها أبناء الوطن المتعطشون للعلم والمعرفة والتقدم من كافة أرجاء الإمارات، من المدن والقرى وحتى المزارع والمناطق البدوية التي كانت قائمة آنذاك، من المركز إلى الأطراف، مكان يجتمع فيه الجميع،

هو رمز لتشكيل القيادة الاتحادية، مدينة العين. تلك المدينة، التي برزت فيها، الملامح القيادية، لأول رئيس للدولة، ذلك الإنسان، الذي آمن، بأن الوحدة هي قارب النجاة من الغرق، في محيط ذلك العالم الذي لا يرحم. كانت تلك المرحلة، تتطلب قائداً، في مثل شخصية، الشيخ زايد وفي مثل حكمته، وبمثل إيمانه بأهمية التعليم.

كان الجميع يراقب انطلاق، المؤسسة الأولى للتعليم العالي، آخذين بعين الاعتبار، ان الطلبة، أو الجيل الجديد، هم الذين يقودون المجتمعات سواء في الدول النامية، أو المتقدمة، ولم يكن من المستغرب أن تكون التجربة الناجحة في الدول المتقدمة ما زالت ماثلة أمام الأنظار، شباب في مقتبل العمر، يحملون طموحات الأمة العربية والإسلامية في إحداث التغيير،

وقيادة المجتمع نحو الغد الذي يأملون أن يكون مشرقاً، ونحو المزيد من التقدم في مواجهة المجتمعات التقليدية!! آخذين بعين الاعتبار أن القيادة السياسية تسعى إلى تطوير المجتمع نحو المستقبل، وخاصة أنها تدرك سلبيات مرحلة ما قبل الاتحاد، وتؤمن أن الشباب هم عماد المستقبل.

لقد كانت إرهاصات العقد السابع، من القرن الماضي، تؤكد أن الاتجاه إلى التحول نحو مؤسسات الدولة، هي الرؤية الصحيحة، ضد أولئك، الذين يرون عكس ذلك، ممن يعتبرون أن النظام القائم، منذ قرون، كاف لبناء دولة الاتحاد.

لقد قام كثيرون، من أبناء هذا المجتمع، سواء من الذكور أو الإناث، بتقديم كل ما يستطيعون، من أجل الحصول، على العلم، داخل الوطن وخارجه، وبمساندة من القيادة السياسية، التي كانت ترى أن مستقبل هذا الوطن، مرتبط بإيجاد كوادر من المتعلمين من أبنائه، فكان الخروج إلى العالم الواسع،

سواء في الوطن العربي أو في الدول الغربية، هو المنقذ من الظلام والجهل، ولكن التوجه الأهم كان تسهيل التعليم لأبناء الوطن في الإمارات نفسها، فكانت الخطوات الأولى في مرحلة ما قبل التعليم الجامعي حيث شهدت الدولة ميلاد عشرات المدارس للذكور والإناث، في مرحلة ما قبل الاستقلال،

وتبعها فيما بعد التعليم الجامعي. إن التعليم على أرض الوطن هو الوعاء الذي يستوعب الجميع، لسهولة الوصول إليه، وإن كان مواطنو الإمارات لم يدخروا جهداً للوصول إلى أعلى مراحل التعليم حتى لو كان ذلك يتطلب الذهاب إلى آخر أصقاع المعمورة.

ومن هنا، يمكن أن نشير إلى ذلك الشاب الطامح، الذي نال شهادة الدكتوراه من جامعة كامبردج في المملكة المتحدة، وهو أول مواطن يحصل عليها من بريطانيا، ذلك الإنسان الذي آمن بالعلم، أنه الدكتور أحمد المدني،

أو ذلك الذي حصل على شهادة الطب من الاتحاد السوفييتي د.المحمود، أو وزير الدولة للشؤون الخارجية سيف غباش ليكون من النخبة التي ذهبت للخارج حتى تحصل على العلم. وغيرهم الكثير، أو ذلك الذي ذهب إلى الأزهر إلا أن المهم أن طلب العلم كان واضحاً منذ بداية القرن الماضي.

لم تكن تلك الحالات، بعيدة عن متخذي القرار، في ضرورة إنشاء جامعة وطنية، تحمي أبناء الوطن، من التأثر بتلك التيارات الفكرية في ذلك الزمن، وفي الوقت نفسه إفساح المجال، أمام الجميع لنيل حظهم من العلم، وهو من الحقوق التي تضمنها الدستور، والتي تجعل كل المواطنين سواسية في مجال نيل الحقوق.

كان التنوع، واختلاف المدارس الفكرية لدى أبناء الوطن جميلاً، فقد كان التنوع والاختلاف، وحتى في المشارب الفكرية، يوحي بالظاهرة الحضارية لأبناء الوطن، فهذا قد نال شهادته من القاهرة الناصرية، وذاك من بغداد، وغيره من بيروت أو من دول الخليج العربية، وآخرون من المعسكر الآخر،

سواء في لندن أو موسكو، إلا أن الجميع، ينتمون ولاء وعطاء إلى أرض الإمارات، وخاصة بعد المرحلة الاتحادية، المرحلة الجديدة، وترسيخ المؤسسة العلمية الأولى على أرض الدولة، جامعة الإمارات العربية المتحدة، ووجود أساتذة من المواطنين، كانت نقلة نوعية جديدة، تؤكد على أدراك أهمية أن يقود مسيرة التعليم العالي أبناء الوطن، مع الاحتفاظ بالنخبة من الأساتذة، من مختلف أنحاء العالم.

حينما عاد إلى أرض الوطن، عدد قليل من أبناء هذه الأرض الطيبة، وممن يحملون مؤهلات علمية من مختلف أرجاء المعمورة، ويسعون إلى ترسيخ قيم جديدة لدى الجيل الجديد، جيل الوحدة والاتحاد، كانت تلك حكاية أخرى.

كانت البداية، هي خلق حواجز بينها وبين القيادات الشابة في التعليم الجامعي، إضافة إلى أخطاء ارتكبت من قبل طرفي المعادلة، كانت السبب في خلق جدار وهمي بين الطرفين، ساهمت بعض القوى الاجتماعية لترسيخ ذلك بهدف خلق أجواء غير صحية، في المؤسسة الأم للتعليم العالي، وقد تعددت أسباب ذلك.

لم يحاول طرفا المعادلة حله إلا مؤخراً، حينما أدرك الجميع أن مركب التعليم العالي مسؤولية الجميع، وأن هذا المركب حينما يتعرض للغرق، فلا مجال لنجاة أحد، وحين ذاك أدركت القيادة، أن مشاركة أعضاء هيئة التدريس من المواطنين وغيرهم مهمة في عملية التطوير، وأن من في الداخل يدرك احتياجات الوطن أكثر مما يدركه القادمون من الخارج.

كما أدرك الشباب والكفاءات الوطنية المتعلمة، أن ما يجدونه في الإمارات، من حريات وفرص للتطور والعطاء، لا يجده غيرهم في كثير من الدول التي سبقت الإمارات في التقدم زمنياً عشرات السنوات،

ولكنها تلهث الآن كي تصل إلى بعض ما وصلت إليه الإمارات، من ترسيخ للحقوق وإفساح المجال أمام الجميع للمشاركة والاستفادة من تجارب دول مجلس التعاون في مجال التعليم العالي، وخاصة في اختيار أفضل وأقدر الكوادر المواطنة، لإدارة تلك المؤسسات وفي الوقت ذاته، الاستفادة من التجارب العالمية في مجال التعليم العالي.

رئيس وحدة الدراسات - البيان

malmutawa@albayan.ae